من غير العنب في اسم الخمر في اللغة التي نزل بها القرآن وخوطب بها الصحابة= مُغْنيةٌ عن التكلُّف في إثبات تسميتها خمرًا بالقياس مع كثرة النزاع فيه.
فإذ قد ثبت تسميتها خمرًا نصًّا، فتناوُلُ لفظ النصوص لها كتناوله لشراب العنب سواء تناولًا واحدًا. فهذه طريقة قريبة منصوصة سهلة، تُريح من كلفة القياس في الاسم، والقياسِ في الحكم.
ثم إن محض القياس الجلي يقتضي التسوية بينهما، لأن تحريم قليل شراب العنب مجمَع عليه وإن لم يسكر، وهذا لأن النفوس لا تقتصر على الحد الذي لا يسكر منه، وقليله يدعو إلى كثيره، وهذا المعنى بعينه في سائر الأشربة المسكرة، فالتفريق بينها في ذلك تفريق بين المتماثلات، وهو باطل.
فلو لم يكن في المسألة إلا القياس لكان كافيًا في التحريم، فكيف وفيها ما ذكرناه من النصوص التي لا مطعن في سندها ولا اشتباه في معناها، بل هي صحيحة صريحة، وبالله التوفيق.
٢ - باب النهي عن المسكر
٤٥٠/ ٣٥٣٢ - عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: «كلُّ مُسْكِرٍ خمر، وكل مسكر حرام، ومن مات وهو يشرب الخمر يُدمِنُها لم يشربها في الآخرة».
وأخرجه مسلم١.
٤٥١/ ٣٥٣٣ - وعن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: «كل مُخَمَّرٍ خمرٌ، وكل مسكر حرام، ومن شرب مُسكرًا بُخِسَت صلاتُه أربعين صباحًا، فإن تاب
(١) أبو داود (٣٦٧٩)، ومسلم (٢٠٠٣).
تاب الله عليه، فإن عاد الرابعة كان حقًّا على الله أن يَسْقَيه من طِينة الخَبال». قيل: وما طينة الخبال يا رسول الله؟ قال: «صديدُ أهل النار، ومَنْ سقاه صغيرًا لا يَعرِف حلالَه من حرامِه كان حقًّا على الله أن يَسقيه من طينة الخبال»١.
٤٥٢/ ٣٥٣٤ - وعن جابر بن عبد الله ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ: «ما أسكر كثيرُه فقليله حرام».
وأخرجه ابن ماجه والترمذي٢، وقال: حسن غريب من حديث جابر. هذا آخر كلامه.
وفي إسناده: داود بن بكر بن أبي الفُرات الأشجعي مولاهم المدني، سُئل عنه يحيى بن معين؟ فقال: ثقة، وقال أبو حاتم الرازي: لا بأس به ليس بالمتين٣. آخر كلامه.
وقد روي هذا الحديث من رواية علي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر، وابن عمرو، وعائشة، وخوّات بن جبير.
وحديث سعد بن أبي وقاص أجودها إسنادًا، فإن النسائي رواه في «سننه»٤ عن محمد بن عبد الله بن عمّار الموصلي (وهو أحد الثقات)، عن الوليد بن كثير
(١) «سنن أبي داود» (٣٦٨٠)، وفي إسناده راوٍ مجهول، وقال أبو أزرعة: هذا حديث منكر. انظر: «العلل» (١٥٨٧).
(٢) أبو داود (٣٦٨١)، وابن ماجه (٣٣٩٣)، والترمذي (١٨٦٥)، كلهم من طريق داود بن بكر بن أبي الفرات، عن ابن المنكدر، عن جابر.
(٣) انظر القولين في «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم (٣/ ٤٠٨).
(٤) «الكبرى» (٥٠٩٩) و«المجتبى» (٥٦٠٩)، ولفظه: أن النبي ﷺ نهى عن قليلِ ما أسكر كثيرُه.