وقال البخاري في «صحيحه»١: باب ما جاء فيمن [ق ٢٠٤] يستحلُّ الخمر ويسميه بغير اسمه. وقال هشام بن عمار: حدثنا صدَقة بن خالد، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدثنا عطية بن قَيس الكَلاعي، قال حدثني عبد الرحمن بن غَنْم الأشعري، قال حدثني أبو عامر أو أبو مالك الأشعري ــ والله ما كذبني ــ سمع النبي ﷺ يقول: «ليكوننّ من أمتي أقوام يستحلون الحِرَ والحرير والخمر والمعازف، ولينزلنّ أقوام إلى جَنْبِ عَلَم يروح عليهم بسارحة لهم، يأتيهم لحاجة٢ فيقولون: ارجع إلينا غدًا، فيبيّتهم الله ويضع العَلَم، ويمسخ آخرين قردةً وخنازيرَ إلى يوم القيامة».
وقد طعن ابن حزم٣ وغيره في هذا الحديث، وقالوا: لا يصح، لأنه منقطع لم يذكر البخاري من حدّثه به، وإنما قال: «وقال هشام بن عمار».
وهذا القدح باطل من وجوه:
أحدها: أن البخاري قد لقي هشام بن عمار وسمع منه، فإذا روى عنه معنعنًا حُمِل على الاتصال اتفاقًا لحصول المعاصرة والسماع، فإذا قال: «قال هشام» لم يكن فَرْق بينه وبين قوله: «عن هشام» أصلًا.
الثاني: أن الثقات الأثبات قد رووه عن هشام موصولًا، قال الإسماعيلي
(١) في كتاب الأشربة، والحديث فيه برقم (٥٥٩٠).
(٢) كذا بحذف الفاعل في رواية أبي ذر الهروي للصحيح، وفي بعض الروايات الأخرى: «يأتيهم ــ يعني الفقير ــ لحاجة». انظر: الطبعة السلطانية (٧/ ١٠٦)، و«إرشاد الساري» للقسطلاني (٨/ ٣١٨).
(٣) انظر: «المحلّى» (٩/ ٥٩).
في «صحيحه»١: أخبرني الحسن، حدثنا هشام بن عمار بإسناده ومتنه. والحسن هو ابن سفيان.
الثالث: أنه قد صح من غير حديث هشام، قال الإسماعيلي في «الصحيح»٢: حدثنا الحسن، حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم، حدثنا بِشْر، حدثنا ابن جابر، عن عطية بن قيس قال: قام ربيعة الجُرَشي في الناس فذكر حديثًا فيه طول، قال: فإذا عبد الرحمن بن غنم، فقال: يمينًا حلفت عليها حدثني أبو عامر أو أبو مالك الأشعري، واللهِ يمينًا أخرى، حدثني أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «ليكوننَّ في أمتي قوم يستحلون الخمر ...» ــ في حديث هشام: «الخمر والحرير»، وفي حديث دُحَيم: «الخزَّ والحرير والخمر والمعازف» ــ فذكر الحديث.
ورواه عثمان بن أبي شيبة: حدثنا زيد بن الحُباب، قال: أخبرني معاوية بن صالح، حدثني حاتم بن حُرَيث، عن مالك بن أبي مريم قال: تذاكرنا الطِّلَاء٣ فدخل علينا عبد الرحمن بن غنم فقال: حدثني أبو مالك الأشعري أنه سمع رسول الله ﷺ ــ فذكر الحديث بلفظه ــ٤.
الرابع: أن البخاري لو لم يلق هشامًا ولم يسمع منه فإدخاله هذا الحديث في «صحيحه» وجزمُه به يدل على أنه ثابت عنده عن هشام، فلم
(١) ومن طريقه أخرجه البيهقي (٣/ ٢٧٢).
(٢) ومن طريقه أخرجه البيهقي (٣/ ٢٧٢).
(٣) في الأصل وط. الفقي: «الطلاق»، تحريف.
(٤) أخرجه ابن حبان (٦٧٥٨) من طريق عثمان بن أبي شيبة به، ولفظ المرفوع فيه بنحو لفظ ابن ماجه الذي ساقه المؤلف في مطلع تعليقه.