قال ابن القطان: فإن كان عبد الحق ضعّف المرفوعَ لكونه من رواية أبي الزبير، فقد تناقض، لتصحيحه الموقوف وهو عنه. وإن عنى به ضعف يحيى بن سليم ناقَضَ٢، فكم من حديث صحّحه من روايته! ولم يخالِف يحيى بنَ سليم في رفعه عن إسماعيل بن أمية إلا من هو دونه، وهو إسماعيل بن عياش٣. وأما إسماعيل بن أمية فلا يُسأل عن مثله.
وهذا عَنَت من ابن القطان، والحديث إنما ضُعِّف لأن الناس رووه موقوفًا على جابر، وانفرد برفعه يحيى بن سليم٤، وهو مع سوء حفظه فقد خالف الثقات وانفرد عنهم، ومثل هذا لا يَحتج به أهلُ الحديث، فهذا هو الذي أراده أبو داود وغيره٥ من تضعيف الحديث.
وأما تصحيحه٦ حديث يحيى بن سليم في غير هذا، فلا إنكار عليه فيه؛ فهذه طريقة أئمة الحديث العالمين بعلله، يصححون حديث الرجل ثم
(١) أخرجه الترمذي في «العلل الكبير» (ص ٢٤٢)، والطبراني في «الأوسط» (٥٦٥٦)، والجصّاص في «أحكام القرآن» (١/ ١٣٤)، من طريق الحسين بن يزيد الطحّان، عن حفص بن غياث، عن ابن أبي ذئب به. الحسين بن يزيد ضعيف، وقال الترمذي: سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: ليس هذا بمحفوظ.
(٢) زاد في الطبعتين: «أيضًا»، خلافًا للأصل.
(٣) رواية إسماعيل بن عياش، عن إسماعيل بن أمية، عن أبي الزبير، عن جابر موقوفًا أخرجها الدارقطني (٤٧١٦)، وقال: موقوف هو الصحيح.
(٤) في الأصل و(هـ) وط. الفقي: «يحيى بن أبي سليم»، خطأ.
(٥) كالدارقطني في «السنن» (٤٧١٥ - ٤٧١٨)، والبيهقي في «المعرفة» (١٣/ ٤٦٣).
(٦) أي تصحيح عبد الحق الإشبيلي.
يضعفونه بعينه في حديث آخر إذا انفرد أو خالف الثقات. ومن تأمل هذا وتتبعه رأى منه الكثير، فإنهم يصححون حديثه لمتابعة غيره له أو لأنه معروف الرواية صحيحُ الحديث عن شيخ بعينه ضعيفُها في غيره.
وفي مثل هذا يعرض الغلط لطائفتين من الناس:
طائفة تجد الرجل قد خُرِّج حديثه في «الصحيح» وقد احتج به فيه، فحيث وجدوه في حديث قالوا: هذا على شرط الصحيح! وأصحاب «الصحيح» يكونون قد انتقوا حديثَه، ورووا له ما تابعه فيه الثقاتُ ولم يكن معلولًا، ويتركون من حديثه المعلولَ وما شذَّ فيه وانفرد عن الناس وخالف فيه الثقاتِ، أو رواه عن غير معروف بالرواية عنه، ولا سيما إذا لم يجدوا ذلك مِن حديثه عند أصحابه المختصِّين به؛ فلهم في هذا نظرٌ واعتبارٌ اختصُّوا به عمن لم يشاركهم فيه، فلا يلزم حيث وُجِد حديث مثلُ هذا أن يكون صحيحًا، ولهذا كثيرًا ما يعلل البخاري ونظراؤه حديثَ الثقة بأنه لا يتابَع عليه.
والطائفة الثانية: يرون الرجل قد تُكلِّم فيه بسبب حديث رواه وضُعِّف من أجله، فيجعلون هذا سببًا لتضعيف حديثه أين وجدوه، فيضعِّفون من حديثه ما يجزِم أهلُ المعرفة بالحديث بصحته.
وهذا باب قد اشتبه كثيرًا على غير النقاد، والصواب: ما اعتمده أئمة الحديث ونُقّاده من تنقية١ حديث الرجل وتصحيحه والاحتجاج به في موضع، وتضعيفه وترك حديثه في موضع آخر. وهذا فيما إذا تعددت شيوخ الرجل ظاهر، كإسماعيل بن عياش في غير الشاميين، وسفيان بن حسين في
(١) رسمه غير محرّر في الأصل و(هـ)، والمثبت من الطبعتين.