تهذيب السنن

وهل يُعارِض مفهومٌ واحد لهذه الأدلة من الكتاب والسنة والقياس الجلي واستصحاب الحال وعمل أكثر الأمة، مع اضطراب أصل منطوقه وعدم براءته من العلة والشذوذ؟

قالوا: وأما دعواكم أن المفهوم عامّ في جميع الصور المسكوت عنها، فدعوى لا دليل عليها، فإن الاحتجاج بالمفهوم يرجع إلى حرفين: التخصيص، والتعليل، كما تقدم. ومعلوم أنه إذا ظهر للتخصيص فائدة بدون العموم بقيت دعوى العموم باطلة، لأنها دعوى مجرَّدة، ولا لفظ معنا يدلّ عليها. وإذا عُلِم ذلك فلا يلزم من انتفاء حكم المنطوق انتفاؤه عن كُلّ فردٍ فردٍ من أفراد المسكوت، لجواز أن يكون فيه تفصيل، فينتفي عن بعضها ويثبت لبعضها، ويجوز أن يكون ثابتًا لجميعها بشرطٍ ليس في المنطوق، فتكون فائدة التخصيص به الدلالةَ على ثبوت الحكم له مطلقًا، وثبوتِه للمفهوم بشرط، فيكون المنفيّ عنه الثبوتَ المطلق، لا مطلقَ الثبوتِ. فمن أين جاء العموم للمفهوم، وهو من عوارض الألفاظ؟

وعلى هذا عامة المفهومات؛ فقوله تعالى: ﴿لَا١ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة:٢٣٠] لا يدلّ المفهوم على أن بمجرَّد نكاحها الزوج الثاني تحلّ له. وكذا قوله: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور:٣٣] لا يدل على عدم الكتابة عند عدم هذا الشرط مطلقًا. وكذا قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ﴾ [النور: ٣٣]. ونظائره أكثر من أن تُحصى.

وكذلك إن سلكت طريقة التعليل، لم يلزم العموم أيضًا، فإنه يلزم من

  1. (١) كذا في الأصل، والتّلاوة: "فلا ... ".
75

انتفاء العلة انتفاء معلولها، ولا يلزم انتفاء الحكم مطلقًا، لجواز ثبوته بوصفٍ آخر.

وإذا ثبت هذا، فمنطوق حديث القُلّتين لا ننازعكم١ فيه، ومفهومه لا عموم له. فبطل الاحتجاج به منطوقًا ومفهومًا.

وأما قولكم: إنَّ العدد خرج مخرج التحديد والتقييد ــ كنُصُب الزكوات ــ فهذا باطل من وجوه:

أحدُها: أنه لو كان هذا مقدارًا فاصلًا بين الحلال والحرام، والطاهر والنجس، لوجبَ على النبيِّ ﷺ بيانُه بيانًا عامًّا متتابعًا تعرفه الأمة، كما بيَّن نُصُب الزكوات، وعدد الجَلْد في الحدود، ومقدار ما يستحقّه الوارث، فإن هذا أمر يعمّ الابتلاء به كلَّ الأمة. فكيف لا يبينه حتى يتفق سؤالُ سائلٍ له عن قضية جُزئية فيجيبه بهذا، ويكون ذلك حدًّا عامًّا للأمة كلها لا يسع أحدًا جهله، ولا تتناقله الأمة، ولا يكون شائعًا بينهم، بل يُحالون فيه على مفهوم ضعيف، شأنه ما ذكرناه، قد خالفَتْه العموماتُ والأدلةُ الكثيرة، ولا يعرفه أهل بلدته، ولا أحد منهم يذهب إليه؟

الثاني: أن الله ﷾ قال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥] وقال: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١١٩] فلو كان الماء الذي لم يتغيّر بالنجاسة [ق ١٨] منه ما هو حلال ومنه ما هو حرام، لم يكن في هذا الحديث بيان للأمة ما يتقون، ولا كان قد فَصَّل لهم ما حَرَّم عليهم. فإن المنطوقَ من حديث القُلّتين

  1. (١) الأصل: "لا يثار علم" تحريف.
76

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي