حديث ميمونة١. وقال عَقِبه: قيل لسفيان: فإن معمرًا يحدثه عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة؟ قال: ما سمعت الزهري يقوله إلا عن عبيد الله عن ابن عباس عن ميمونة عن النبي ﷺ، ولقد سمعته منه مِرارًا.
ثم قال: حدثنا عبدان أخبرنا٢ عبد الله عن يونس عن الزهري سئل عن الدابة تموت في الزيت والسمن، وهو جامد أو غير جامد، الفأرة أو غيرها؟ قال: بلغَنا أن رسول الله ﷺ أمر بفأرة ماتت في سمن، فأمر بما قَرُب منها فطُرِح، ثم أُكِل٣.
فذِكْر البخاري فتوى الزهري في الدابة تموت في السمن وغيره الجامدِ والذائب: أنه يؤكل، واحتجاجَه بالحديث من غير تفصيل= دليلٌ على أن المحفوظ من رواية الزهري إنما هو الحديث المطلق الذي لا تفصيل فيه، وأنه مذهبه، فهو رأيه وروايته. ولو كان عنده حديث التفصيل بين الجامد والمائع لأفتى به واحتج به، فحيث أفتى بحديث الإطلاق واحتجّ به دلَّ على أن معمرًا غلط عليه في الحديث إسنادًا ومتنًا.
ثم قد اضطرب حديث معمر، فقال عبد الرزاق٤ عنه: «فلا تقربوه».
وقال عبد الواحد بن زياد عنه: «وإن كان ذائبًا أو مائعًا لم يؤكل»٥.
(١) برقم (٥٥٣٨).
(٢) في الطبعتين: «حدثنا» خلافًا للأصل وللبخاري (٥٥٣٩).
(٣) تتمته: «عن حديث عبيد الله بن عبد الله»، وهو متعلق بقول الزهري: «بلغنا»، أي بلغنا عن حديث عبيد الله بسنده، ولم ينشط لسياق سنده إلى آخره.
(٤) في «مصنفه» (٢٧٨)، ومن طريقه أبو داود في حديث الباب.
(٥) أخرجه أبو يعلى (٥٨٤١)، والبيهقي في «الكبرى» (٩/ ٣٥٣) وفي «معرفة السنن» (١٤/ ١٢٦) ــ وقوله الآتي فيه ــ، وابن عبد البر في «التمهيد» (٩/ ٣٨ - ٣٩) من طرق عن عبد الواحد به.
قال البيهقي: «وعبد الواحد بن زياد أحفظ منه»، يعني عبد الرزاق.
وفي بعض طرقه: «فاستصبِحوا به»١.
وكل هذا غير محفوظ في حديث الزهري.
فإن قيل: فقد رواه أبو حاتم البُستي في «صحيحه»٢ من رواية الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن ميمونة: أن رسول الله ﷺ سئل عن الفأرة تموت في السمن؟ فقال: «إن كان جامدًا فألقُوها وما حولَها وكلوه، وإن كان ذائبًا فلا تقربوه». رواه عن عبد الله بن محمد الأزدي٣، أخبرنا٤ إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا سفيان، عن الزهري به، وكذلك هو في «مسند إسحاق»٥.
(١) أخرجه الطحاوي في «بيان المشكل» (٥٣٥٤) من طريق الحسن بن الربيع البَجَلي ــ وهو ثقة ــ، عن عبد الواحد بن زياد، عن معمر به. والأمر بالاستصباح به قد ورد في أحاديث أخرى ضعيفة، وفي آثار عن بعض الصحابة والتابعين. انظر: «مصنف ابن أبي شيبة» (الأطعمة ــ ما قالوا في الفأرة تقع في السمن)، و«الأوسط» لابن المنذر (٢/ ٤٢٠)، و«البدر المنير» (٥/ ٢٣ - ٢٦).
(٢) برقم (١٣٩٢).
(٣) تصحّف في الأصل إلى: «الأزدب»، وسيأتي على الصواب.
(٤) في الطبعتين هنا وفي الموضع الآتي: «حدثنا» خلافًا للأصل.
(٥) لفظه في المطبوع (٤/ ٢٠٤ - ٢٠٥) موافق للفظ المحفوظ دون التفصيل بين الجامد والمائع، مع أنه نصّ المؤلف هنا وابن حجر في «الفتح» (٩/ ٦٦٨) أن رواية إسحاق في «مسنده» هي بالتفصيل على نحو رواية معمر.