قال البيهقي: «وعبد الواحد بن زياد أحفظ منه»، يعني عبد الرزاق.
وفي بعض طرقه: «فاستصبِحوا به»١.
وكل هذا غير محفوظ في حديث الزهري.
فإن قيل: فقد رواه أبو حاتم البُستي في «صحيحه»٢ من رواية الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن ميمونة: أن رسول الله ﷺ سئل عن الفأرة تموت في السمن؟ فقال: «إن كان جامدًا فألقُوها وما حولَها وكلوه، وإن كان ذائبًا فلا تقربوه». رواه عن عبد الله بن محمد الأزدي٣، أخبرنا٤ إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا سفيان، عن الزهري به، وكذلك هو في «مسند إسحاق»٥.
(١) أخرجه الطحاوي في «بيان المشكل» (٥٣٥٤) من طريق الحسن بن الربيع البَجَلي ــ وهو ثقة ــ، عن عبد الواحد بن زياد، عن معمر به. والأمر بالاستصباح به قد ورد في أحاديث أخرى ضعيفة، وفي آثار عن بعض الصحابة والتابعين. انظر: «مصنف ابن أبي شيبة» (الأطعمة ــ ما قالوا في الفأرة تقع في السمن)، و«الأوسط» لابن المنذر (٢/ ٤٢٠)، و«البدر المنير» (٥/ ٢٣ - ٢٦).
(٢) برقم (١٣٩٢).
(٣) تصحّف في الأصل إلى: «الأزدب»، وسيأتي على الصواب.
(٤) في الطبعتين هنا وفي الموضع الآتي: «حدثنا» خلافًا للأصل.
(٥) لفظه في المطبوع (٤/ ٢٠٤ - ٢٠٥) موافق للفظ المحفوظ دون التفصيل بين الجامد والمائع، مع أنه نصّ المؤلف هنا وابن حجر في «الفتح» (٩/ ٦٦٨) أن رواية إسحاق في «مسنده» هي بالتفصيل على نحو رواية معمر.
فالجواب: أن كثيرًا من أهل الحديث جعلوا هذه الرواية موهومة معلولة١، فإن الناس إنما رووه عن سفيان عن الزهري مثل ما رواه سائر الناس عنه٢، كمالك وغيره من غير تفصيل، كما رواه البخاري وغيره.
وقد رد أبو حاتم البُستي [ق ٢٠٩] هذا، وزعم أن رواية إسحاق هذه ليست موهومة برواية معمر عن الزهري فقال: «ذكر خبرٍ أوهم بعضَ من لم يطلب العلم مِن مَظانّه أنّ رواية ابن عيينة هذه معلولة أو موهومة»، ثم ساق٣ من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة الحديث: «إن كان جامدًا فألقوها وما حولها، وإن كان مائعًا فلا تقربوه».
(١) ومنشأ الوهم والعلة أن إسحاق بن راهويه قد روى عن عبد الرزاق عن معمر حديثه بالتفصيل، وروى أيضًا عن ابن عُيينة حديثه فحمله على حديث معمر ــ كما أشار إليه ابن رجب في «شرح علل الترمذي» (٢/ ٧٢٣) ــ دون التنبّه لاختلاف ألفاظهما، ويدل على ذلك أيضًا أن الحديثين عنده متواليان في «مسنده» (٤/ ٢٠٤ - ٢٠٦). وإسحاق من أحفظ أهل زمانه، ولم يُستغرَب من حديثه البالغ سبعين ألف حديث إلا حديثان هذا أحدهما، على أنه يَحتمِل أن يكون الوهم ممن رواهما عنه. انظر: «سير أعلام النبلاء» (١١/ ٣٧٣ - ٣٧٩).
(٢) ممن رواه عن سفيان: أحمد (٢٦٧٩٦)، والحميدي [البخاري (٥٥٣٨)]، ومسدّد [أبو داود (٣٨٤١)]، وسعيد بن عبد الرحمن المخزومي، وأبو عمار المروزي [الترمذي (١٧٩٨)]، وقتيبة [النسائي (٤٢٥٨)]، وعلي ابن المديني [الدارمي (٢١٢٨)]، وابن أبي شيبة (٢٤٨٧٧)، وأبو خيثمة [أبو يعلى (٧٠٧٨)] في آخرين؛ كلهم يرويه عن سفيان باللفظ المحفوظ من غير تفصيل.