وفي «صحيح مسلم»١ عن أنس ﵁ قال: رخَّص رسول الله ﷺ في الرقية من العين والحُمة والنملة٢.
قال ابن القيم ﵀: وفي «الصحيحين»٣ عن عائشة: أن رسول الله ﷺ كان يأمرها أن تسترقي من العين.
وفي «الصحيحين»٤ عن أم سلمة: أن النبي ﷺ قال لجارية في بيت أم سلمة، رأى بوجهها سَفْعة، فقال: «بها نَظْرة، فاسترقوا لها». يعني بوجهها صفرة.
وفي «صحيح مسلم»٥ عن جابر قال: رخَّص رسول الله ﷺ لآل حزم في رقية الحية، وقال لأسماء بنت عميس: «ما لي أرى أجسام بني أخي ضارعة٦، تصيبهم الحاجة؟» قالت: لا، ولكن العين تسرع إليهم، قال: «ارْقيهم»، قالت٧: فعرضتُ عليه، فقال: «ارْقيهم».
وفي «صحيح مسلم»٨ أيضًا عن جابر قال «لَدَغت رجلًا منا عقرب، ونحن جلوس مع رسول الله ﷺ، فقال رجل: يا رسول الله، أرقي له؟ قال:
(١) برقم (٢١٩٦). وأخرجه البخاري (٥٧١٩) أيضًا.
(٢) كلام المنذري من (هـ)، وفيه تصرّف يسير من المؤلف.
(٣) البخاري (٥٧٣٨) ومسلم (٢١٩٥).
(٤) البخاري (٥٧٣٩) ومسلم (٢١٩٧).
(٥) برقم (٢١٩٨).
(٦) ضارعة: أي نحيفة، والمراد أولاد جعفر بن أبي طالب ﵁.
(٧) في الأصل: «قال»، والتصحيح من «صحيح مسلم».
(٨) برقم (٢١٩٩/ ٦١).
«من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل».
وأما ما رواه مسلم في «صحيحه»١ من حديث جابر: أن رسول الله ﷺ نهى عن الرقى، فهذا لا يعارض هذه الأحاديث، فإنه إنما نهى عن الرقى التي تتضمَّن الشرك وتعظيمَ غيرِ الله سبحانه، كغالب رقى أهل الشرك.
والدليل على هذا ما رواه مسلم في «صحيحه»٢ من حديث عوف بن مالك الأشجعي قال: كنا نرقي في الجاهلية، فقلنا: يا رسول الله، كيف ترى في ذلك؟ فقال: «اعرِضوا علي رُقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك».
وفي حديث النهي أيضًا ما يدل على ذلك، فإن جابرًا قال: نهى رسول الله ﷺ عن الرقى، فجاء آل عمرو بن حزم إلى رسول الله ﷺ، فقالوا: يا رسول الله، إنه كانت عندنا رقية نَرقي بها من العقرب، وإنك نهيت عن الرقى، قال: «فاعرِضوها عليّ»، فعرضوها عليه، فقال: «ما أرى بأسًا، من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه» رواه مسلم٣.
وهذا المسلك في هذه الأحاديث وأمثالها فيما يكون المنهيُّ عنه نوعًا، والمأذون فيه نوعًا آخر، وكلاهما داخل تحت اسم واحد= مَن تفطّن له زال عنه اضطراب كثير. يظنه من لم يُحِط علمًا بحقيقة المنهي عنه من ذلك الجنس والمأذونِ فيه= متعارضًا، ثم يسلك مسلك النسخ، أو تضعيف أحد الأحاديث.
(١) برقم (٢١٩٩/ ٦٢).
(٢) برقم (٢٢٠٠).
(٣) برقم (٢١٩٩/ ٦٣) دون قوله: «فاعرضوها عليَّ»، فإنه عند ابن ماجه (٣٥١٥) والبيهقي (٩/ ٣٤٩) بنحوه.