تهذيب السنن

وروى سعيد بن منصور في «سننه»١ عن أبي قلابة قال: «كن أزواج النبي ﷺ لا يحتجبن من مكاتب ما بقي عليه دينار».

وذكر سعيد في «سننه»٢ أيضًا عن عطاء: أن ابن عمر كاتب غلامًا على ألف دينار، فأدى إليه تسعمائة دينار، وعجز عن مائة، فرده ابن عمر ﵁ في الرق٣.

قالوا: وهذا هو مقتضى أصول الشريعة، فإنّ عِتقه مشروط بأداء جميع العوض، فلا يقع شيء منه قبل أدائه، كما لو علّق طلاقها على عوض فأدت بعضه.

ولأنه لو عَتَق منه شيءٌ لكان هو السبب في إعتاقه، فكان يسري إلى باقيه إذا كان موسِرًا، كما لو باشره بالعتق. وهذا باطل قطعًا، فإنه لا يبقى للكتابة معنى، فإنه يؤدي درهمًا مثلًا ويتنجّز عِتقُه. وهذا لم يقل به أحد، وذلك أن العتق لا يتبعض في ملك الإنسان، فلو عَتَق منه شيء بالأداء سَرَى إلى باقيه؛ ولا سراية، فلا عتق.

  1. (١) ومن طريقه أخرجه البيهقي (١٠/ ٣٢٥). وإسناده صحيح، وقد روي من وجوه أخرى.
  2. (٢) وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة (٢١٨٣١) والبيهقي (١٠/ ٣٤١)، وعطاء عن ابن عمر مرسل، ولكن صحت القصة من طرق أُخَر، أخرجها عبد الرزاق (١٥٧٢٣، ١٥٧٢٤)، وابن أبي شيبة (٢١٩٥٥)، والبيهقي (١٠/ ٣٤١ - ٣٤٢).
  3. (٣) لكنه ما لبث أن أعتقه بعد ذلك، كما صحّ في عدد من الروايات في المصادر السابقة، ولا غرو فإن ابن عمر عُرِف بكثرة الإعتاق. انظر: «الطبقات» لابن سعد (٤/ ١٥٦)، و«الزهد» لأبي داود (ص ٢٦٢، ٢٦٣، ٢٦٨).
8

المذهب الثاني: أنه يَعتِق منه بقدر ما أدّى، وكلما أدّى شيئا عَتَق منه بقدره. وهذا مذهب رابع الخلفاء الراشدين، وأحد الأئمة المهديين علي بن أبي طالب.

وحجة هذا القول: حديث ابن عباس المتقدم، وهو حديث حسن، قد روي من وجوه متعددة، ورُواته أئمة ثقات لا مطعن فيهم، ولا تَعلُّق عليهم في الحديث سوى الوقف أو الإرسال، وقد روي موقوفًا ومرفوعًا، ومرسلًا ومسندًا، والذين رفعوه ثقات، والذين وقفوه ثقات.

وقد أعلَّه قوم بتفرّد حماد بن سلمة به وليس كذلك، فقد رواه وهيب وحماد بن زيد وإسماعيل بن إبراهيم عن أيوب، وله طرق قد ذكرنا بعضها١.

المذهب الثالث: أنه إذا أدَّى شَطر الكتابة فلا رقَّ عليه ويُلزَم بأداء [ق ٢١٢] الباقي. وهذا يروى عن عمر بن الخطاب٢، وعن علي أيضًا٣.

  1. (١) هذه المتابعات والطرق هي لحديث: «يُودى المكاتب بقدر ما أدَّى دية الحر»، وأما حديث أن ميراث المكاتَب وحَدَّه بحساب ما عَتَق منه، فقد تفردّ به حماد بن سلمة عن أيوب، كما نصّ عليه البيهقي في «المعرفة» (١٤/ ٤٤٨) و«الكبرى» (١٠/ ٣٢٥).
  2. (٢) أخرجه عبد الرزاق (١٥٧٣٦)، وابن أبي شيبة (٢٠٩٦٠)، والبيهقي (١٠/ ٣٢٥)، من طريق القاسم بن عبد الرحمن، عن جابر بن سمرة، عن عمر. قال البيهقي: القاسم لا يثبت سماعه من جابر، وهو إن صحّ فكأنه أراد أن الأَولى أن يُمهل حتى يكتسب ما بقي. اهـ باختصار.
  3. (٣) أخرجه ابن المنذر في «الأوسط» (٧/ ٥٠٢)، من رواية عطاء عن علي، وهي مرسلة.
9

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي