يؤدي، فلتحتجب منه». رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه١، وقال الترمذي: حسن صحيح. قال الشافعي في القديم٢: ولم أحفظ عن سفيان أن الزهري سمعه من نبهان، ولم أر من رضيتُ من أهل العلم٣ يثبت واحدًا من هذين الحديثين، والله أعلم. قال البيهقي: أراد هذا وحديث عمرو بن شعيب: «المكاتب عبد ما بقي عليه درهم».
قال٤: وحديث عمرو بن شعيب قد رويناه موصولًا، وحديث نبهان قد ذكر فيه معمر سماع الزهري من نبهان٥، إلا أن صاحِبَي «الصحيح» لم يخرجاه، إما لأنهما لم يجدا ثقةً يروي عنه غيرَ الزهري، فهو عندهما لا يرتفع عنه اسم الجهالة برواية واحد عنه، أو لأنهما لم يثبت عندهما من عدالته ومعرفته ما يوجب قبول خبره. هذا آخر كلامه.
وقد ذكر عبد الرحمن بن أبي حاتم في موضعين من «كتابه»٦: أن محمد بن عبد الرحمن مولى طلحة روى عن نبهان. ومحمد بن عبد الرحمن هذا ثقة، احتج به مسلم في «الصحيح».
(١) أبو داود (٣٩٢٨)، والترمذي (١٢٦١)، والنسائي في «الكبرى» (٥٠١١ - ٥٠١٦)، وابن ماجه (٢٥٢٠)، وصححه الترمذي والحاكم (٢/ ٢١٩)، مع أن نبهان فيه جهالة حال، وسيأتي الكلام عليه.
(٥) أخرجها عبد الرزاق (١٥٧٢٩)، ومن طريقه أحمد (٢٦٦٢٩) والحاكم (٢/ ٢١٩). وأيضًا ورد ذكر سماع الزهري في رواية ابن عيينة عنه عند الحميدي (٢٩١).
(٦) «الجرح والتعديل» في ترجمتيهما (٧/ ٣١٨، ٨/ ٥٠٢).
قال الشافعي١: وقد يجوز أن يكون أَمْرُ رسولِ الله ﷺ أمَّ سلمة ــ إن كان أمرها بالحجاب من مكاتبها إذا كان عنده ما يؤدي ــ على ما عظم الله به أزواجَ النبي ﷺ أمهاتِ المؤمنين وخصّهن منه، وفرّق بينهن وبين النساء إِن اتَّقَينَ، ثم تلا الآيات٢ في اختصاصهن، بأن جعل عليهن الحجاب من المؤمنين وهن أمهات المؤمنين، ولم يجعل على امرأة سواهن أن تحتجب ممن يَحرُم عليه نكاحُها ــ ثم ساق الكلام إلى أن قال ــ: ومع هذا إنّ احتجاب المرأة ممن له أن يراها واسع لها، وقد أمر النبي ﷺ ــ يعني سودة ــ أن تحتجب من رجل قضى أنه أخوها، وذلك يشبه أن يكون للاحتياط، وأن الاحتجاب ممن له أن يراها مباح، والله أعلم.
فأما حديث أم سلمة فليس صريحًا في أنه يَعتِق بملك الأداء، إنما فيه أمرُ نسائه، أو أمر النساء عامةً، باحتجابهن من مكاتبيهن إذا كان عندهم ما يؤدّون، وهذا لأنهم بملك الأداء قد شارفوا العتق، وقوي سبب الأجنبية بينهم وبين ساداتهم، فاحتجاب النساء ساداتهم منهم أحوط٣. والعبد ليس بمحرم لسيدته في أحد القولين، وفي الآخر هو محرم لسيدته، للحاجة لهما إلى ذلك، وكثرة دخوله وخروجه عليها، ومِلْكها منافعَه واستخدامَه؛
(١) كما في «المعرفة» (١٤/ ٤٥٠) و«السنن الكبرى» (١٠/ ٣٢٧).