تهذيب السنن

وبالكتابة لم يتحقق زوال هذا المعنى، فإذا ملك ما يؤدي، وقد ملك منافعه بالكتابة، ولم يبق في عوده في الرق مطمع غالبًا= قوي جانب الحرّية فيه وتأكد سببُ الاحتجاب.

مع أن حديث أم سلمة في سياقه ما يدل على أنها إنما١ احتجبت منه بعد إذنها في دفع ما عليه لأخيها. قال الشافعي ﵀٢: أخبرنا٣ سفيان قال: سمعت الزهري يذكر عن نبهان مولى أم سلمة زوج النبي ﷺ، أنه كان معها وأنها سألته: كم بقي عليك من كتابتك؟ فذكر شيئا قد سماه، وأنه عنده، فأمرتْه أن يعطيه أخاها أو ابنَ أخيها، وألقت الحجاب واستترت منه، وقالت: عليك السلام، وذكرت٤ عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا كان لإحداكن مكاتب، فكان عنده ما يؤدي، فلتحتجب منه».

فهذا السياق يدل على ما ذكرنا، إلا أن المرفوع منه دليل على الاحتجاب بنفس ملك الأداء، وهذا وجهه ــ والله أعلم ــ ما تقدم.

وإنما الشأن في حديث عمرو بن شعيب وحديث ابن عباس، وفي تقديم أحدهما على الآخر.

وفي معارضة الإمام أحمد لحديث ابن عباس بحديث بريرة نظر، فإنه لا تعارض بينهما، فإن بريرة لم تكن قضت من كتابتها شيئًا، هكذا في

  1. (١) ط. الفقي: «قد»، وفي الأصل وط. المعارف: «إذا»، ولعله تصحيف ما أثبت.
  2. (٢) في «القديم»، كما في «معرفة السنن» (١٤/ ٤٤٩).
  3. (٣) في الطبعتين: «حدثنا» خلافًا للأصل، وقد سبق التنبيه على مثله مرارًا.
  4. (٤) في مطبوعة «معرفة السنن»: «وذكر ابن عباس»، تحريف لا وجه له.
13

«الصحيحين»١ عن عائشة، ولو أدَّى المكاتب من كتابته جاز بيعه وبقي عند المشتري كما كان عند البائع، فإذا كمّل٢ إليه ما بقي عليه من الكتابة عَتَق، فلم يتضمن بيعه إبطال ما انعقد فيه من الحرية أو سببها.

ولكن حديث ابن عباس يرويه عنه عكرمة، وقد اضطرب فيه اضطرابًا كثيرا: فمرة يرويه عنه قوله، ومرة يرويه عكرمة عن النبي ﷺ لا يذكر ابن عباس، ومرة يقول: عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه يقام عليه الحد بحساب ما عتق منه، ومرة يرويه عن علي موقوفًا. وهذا الاضطراب يوجب التوقف في الحديث. وحديث عمرو بن شعيب سالم من مثل هذا الاضطراب، ومعه فتاوى مَن ذكرنا مِن الصحابة، وعليه [ق ٢١٣] العمل.

فهذا ما أدى إليه الجهد في هذه المسألة، وفوق كل ذي علم عليم.

٢ - باب فيمن أعتق نصيبًا له من مملوك

٤٨٢/ ٣٧٧٩ - عن أبي المليح ــ قال أبو الوليد: عن أبيه ــ أن رجلًا أعتق شِقْصًا له من غُلام فذُكر ذلك للنبي ﷺ، فقال: «ليس للهِ شَريك». زاد ابن كثير في حديثه: فأجاز النبي ﷺ عتقه.

وأخرجه النسائي وابن ماجه٣. وقال النسائي: أرسله سعيد بن أبي عروبة

  1. (١) البخاري (٢٥٦١)، ومسلم (١٥٠٤/ ٦).
  2. (٢) كذا في الأصل، فإن لم يكن تصحيفًا فهو على تضمينه معنى «أدّى».
  3. (٣) أبو داود (٣٩٣٣)، والنسائي في «الكبرى» (٤٩٥١) من طريق همام عن قتادة عن أبي المليح. ولم أجده عند ابن ماجه، ولا عزاه إليه في «تحفة الأشراف» (١/ ٦٥).
14

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي