قولهم فيه عند جميع أهل العلم بالحديث إذا خالفهم غيرهم.
وقال الشافعي١: سمعت بعض أهل النظرِ والقياسِ٢ منهم والعلمِ بالحديث يقول: لو كان حديث سعيد بن أبي عروبة في الاستسعاء منفردًا لا يخالفه غيره ما كان ثابتًا، يعني: فكيف وقد خالفه شعبة وهشام؟ قال الشافعي٣: وقد أنكر الناسُ حِفظ سعيد.
قال البيهقي٤: وهذا كما قال، فقد اختلط سعيد بن أبي عروبة في آخر عمره حتى أنكروا حفظه. وقال يحيى بن سعيد القطان: شعبة أعلم الناس بحديث قتادة، ما سمع منه وما لم يسمع، وهشام أحفظ، وسعيد أكثر. قال البيهقي: فقد اجتمع هاهنا شعبة مع فضل حفظه وعلمه بما سمع قتادة٥ وما لم يسمع، وهشام٦ مع فضل حفظه، وهمام مع صحة كتابته وزيادة معرفته بما ليس من الحديث= على خلاف ابن أبي عروبة ومن تابعه في إدراج السعاية في الحديث. وفي هذا ما يُضعِّف ثبوتَ الاستسعاء بالحديث.
(١) في «اختلاف الحديث» (١٠/ ٣٠٤ - مع الأم)، ونقله البيهقي في «المعرفة» (١٤/ ٣٩٣) ــ والمؤلف صادر عنه ــ و«الكبرى» (١٠/ ٢٨١).
(٢) كذا في الأصل، وفي «المعرفة» و«الكبرى» (٢١/ ٣٣٦ - ط. هجر): «والتديّن»، وفي «اختلاف الحديث»: «والدين»، وفي الطبعة الهندية من «الكبرى»: «والتدبّر».
(٣) في «القديم»، كما في «معرفة السنن» (١٤/ ٣٩٣).
(٤) «معرفة السنن» (١٤/ ٣٩٤ - ٣٩٥).
(٥) في مطبوعة «معرفة السنن»: «سمع من قتادة»، والظاهر أن «من» مقحمة.
(٦) من بعد قوله: «هشام» قبل سطرين إلى هنا ساقط من الأصل لانتقال النظر، واستدرك من (هـ).
فهذا كلام هؤلاء الأئمة الأعلام في حديث السعاية.
وقال آخرون: الحديث صحيح، وتَرْكُ ذكرِ شعبة وهشام للاستسعاء لا يقدح في رواية من ذكرها، وهو سعيد بن أبي عروبة، ولا سيما فإنه أكبر أصحاب قتادة ومِن أخصّهم به، وعنده عن قتادة ما ليس عند غيره من أصحابه، ولهذا أخرجه أصحاب «الصحيحين» في «صحيحيهما»، ولم يلتفتا إلى ما ذُكر في تعليله.
وأما الطعن في رواية سعيد عن قتادة ولو لم يخالَف، فطعن ضعيف، لأن سعيدًا عن قتادة حجة بالاتفاق، وهو من أصح الأسانيد المتلقاة بالقبول التي أكثرَ منها أصحابُ «الصحيحين» وغيرهم، فكيف ولم ينفرد سعيد عن قتادة بالاستسعاء، بل قد رواه عن قتادةَ جريرُ بن حازم، وناهيك به!
قال البخاري في «صحيحه»١: بابٌ إذا أعتق نصيبًا في عبد وليس له مال استُسعي العبدُ غيرَ مشقوق عليه، على نحو الكتابة. حدثني أحمد بن أبي رجاء، حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا جرير بن حازم قال: سمعت قتادة، ح٢ وحدثنا مسدد، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نَهِيك، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «من أعتق نصيبًا ــ أو شقيصًا ــ في مملوك، فخلاصه عليه في ماله إن كان له مال، وإلا قُوِّم عليه فاستُسعِيَ غيرَ مشقوق عليه». قال البخاري: وتابعه
(١) مبوّبًا على الحديثين (٢٥٢٦، ٢٥٢٧).
(٢) هذا التحويل لا يوجد في شيء من روايات البخاري المذكورة في النسخة اليونينية، وإنما فيها إكمال السند عن قتادة وذكر طرف الحديث: «من أعتق شقيصًا من عبد»، ثم الإسناد الثاني: «حدثنا مسدد ...» إلخ. وعليه أُصلح النص في ط. الفقي.