وقال آخرون: الحديث صحيح، وتَرْكُ ذكرِ شعبة وهشام للاستسعاء لا يقدح في رواية من ذكرها، وهو سعيد بن أبي عروبة، ولا سيما فإنه أكبر أصحاب قتادة ومِن أخصّهم به، وعنده عن قتادة ما ليس عند غيره من أصحابه، ولهذا أخرجه أصحاب «الصحيحين» في «صحيحيهما»، ولم يلتفتا إلى ما ذُكر في تعليله.
وأما الطعن في رواية سعيد عن قتادة ولو لم يخالَف، فطعن ضعيف، لأن سعيدًا عن قتادة حجة بالاتفاق، وهو من أصح الأسانيد المتلقاة بالقبول التي أكثرَ منها أصحابُ «الصحيحين» وغيرهم، فكيف ولم ينفرد سعيد عن قتادة بالاستسعاء، بل قد رواه عن قتادةَ جريرُ بن حازم، وناهيك به!
قال البخاري في «صحيحه»١: بابٌ إذا أعتق نصيبًا في عبد وليس له مال استُسعي العبدُ غيرَ مشقوق عليه، على نحو الكتابة. حدثني أحمد بن أبي رجاء، حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا جرير بن حازم قال: سمعت قتادة، ح٢ وحدثنا مسدد، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نَهِيك، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «من أعتق نصيبًا ــ أو شقيصًا ــ في مملوك، فخلاصه عليه في ماله إن كان له مال، وإلا قُوِّم عليه فاستُسعِيَ غيرَ مشقوق عليه». قال البخاري: وتابعه
(١) مبوّبًا على الحديثين (٢٥٢٦، ٢٥٢٧).
(٢) هذا التحويل لا يوجد في شيء من روايات البخاري المذكورة في النسخة اليونينية، وإنما فيها إكمال السند عن قتادة وذكر طرف الحديث: «من أعتق شقيصًا من عبد»، ثم الإسناد الثاني: «حدثنا مسدد ...» إلخ. وعليه أُصلح النص في ط. الفقي.
حجاج بن حجاج وأبان وموسى بن خلف عن قتادة، اختصره شعبة.
وقال النسائي في «سننه»١: أخبرنا محمد بن عبد الله بن المبارك، حدثنا أبو هشام، حدثنا أبان، حدثنا قتادة، حدثنا النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «من أعتق شقيصًا له في عبد، فإن عليه أن يُعتِق بقيته إن كان له مال، وإلا استُسْعيَ العبد، غيرَ مشقوق عليه».
فقد برئ سعيد من عهدة التفرد به، فهؤلاء خمسة رووه عن قتادة: سعيد، وجرير بن حازم، وأبان، وحجاج بن حجاج، وموسى بن خلف.
ثم لو قُدّر تفرد سعيد به لم يضره، وسعيد وإن كان قد اختلط في آخر عمره، فهذا الحديث من رواية يزيد بن زُرَيع وعَبْدة وإسماعيل والجِلَّة عن سعيد٢، وهؤلاء أعلم بحديثه. ولم يرووا عنه إلا ما كان قبل اختلاطه، ولهذا خرّج أصحاب الصحيح حديثهم عنه. فالحديث صحيح محفوظ بلا شك.
وقد رواه مسلم في «صحيحه»٣، كما ذكره البخاري من رواية
(١) «الكبرى» (٤٩٤٦).
(٢) رواه يزيد بن زريع [البخاري (٢٥٢٧)]، وعبدة بن سليمان [النسائي (٤٩٤٣)]، وإسماعيل ابن عليّة [مسلم (١٥٠٣/ ٣)]، وابن المبارك [البخاري (٢٤٩٢)]، ويحيى بن سعيد القطان [أحمد (١٠١٠٧)]، ويزيد بن هارون [أحمد (٧٤٦٨)]، وعبد الله بن بكر السهمي [الدارقطني (٤٢٢٤)] في آخرين، وعامّة هؤلاء ممن روى عنه قبل الاختلاط.