تأثّر الماء بهذه النجاسة أضعافُ تأثره بالشعرة، فمحال أن يجيء شرعٌ بتنجُّس الأول وطهارة الثاني.
وكذلك ميتة كاملة تقع في قُلّتين لا تنجّسها، وشعرة منها تقع في قلتين إلا نصف رطل أو رطلًا فتنجِّسها! إلى غير ذلك من اللوازم التي يدلّ بطلانُها على بطلان ملزوماتها.
* وأما جعلكم الشيء نصفًا ففي غاية الضعف، فإنه شكٌّ من ابن جُريج. فيا سبحان الله! يكون شكّه حدًّا لازمًا للأمة، فاصلًا بين الحلال والحرام؟ والنبي ﷺ قد بيَّن لأمته الدِّين، وتركهم على١ البيضاء ليلها كنهارها، فيمتنع أن يقدِّر لأمته حدًّا لا سبيل لهم إلى معرفته إلا شكٌّ حادثٌ بعد عصر الصحابة يُجعل نصفًا احتياطًا٢! وهذا بَيِّن لمن أنصف.
والشكُّ الجزئي٣ الواقع من الأمة في طهورهم وصلاتهم قد بين لهم حكمه ليندفع عنهم باليقين، فكيف يجعل شكّهم حدًّا فاصلًا فارقًا بين الحلال والحرام؟
ثم جَعْلكم هذا احتياطًا باطل، لأن الاحتياط يكون في الأعمال التي يترك المكلَّف منها عملًا لآخر احتياطًا. وأما٤ الأحكام الشرعية والإخبار
(١) ط. الفقي زيادة "المحجّة"!
(٢) في الطبعتين: "احتياطيًّا" خلافًا للأصل.
(٣) رسمه في الأصل: "الجرى" وفي الطبعتين: "الجاري"، ولعل الأقرب للرسم والسياق ما أثبت.
(٤) في الأصل والطبعتين: "وإنما" والظاهر أنه تصحيف، بدليل وجود الفاء في جوابه: "فطريق ... ".
عن الله ورسوله، فطريق الاحتياط فيها أن لا يُخْبَر عنه إلا بما أخبر به، ولا يثبت إلا ما أثبته.
ثمّ إن الاحتياط في ترك هذا الاحتياط، فإن الرجل تحضره الصلاة وعنده قُلّة قد وقعت فيها شعرةُ مَيْتةٍ، فتَرْكُه الوضوءَ منه منافٍ للاحتياط١.
فهلّا أخذتم بهذا الأصل هنا، وقلتم: ما ثبت تنجيسُه بالدليل الشرعي نجّسناه، وما شكَكْنا فيه ردَدْناه إلى أصل الطهارة. لأن هذا لمّا كان طاهرًا قطعًا وقد شككنا هل حكم رسول الله ﷺ بتنجيسه أم لا، والأصل الطهارة.
وأيضًا: فأنتم لا تبيحون لمن شكّ في نجاسة الماء أن يعدل إلى التيمم، بل توجبون عليه الوضوء، فكيف تحرّمون عليه الوضوء هنا بالشك؟
وأيضًا: فإنكم إذا نجّستموه بالشكّ نجّستم ما يصيبه من الثياب والأبدان والآنية، وحرَّمتم شربَه والطبخَ به، وأَرَقْتم [ق ١٩] الأطعمةَ المتَّخَذةَ منه. وفي هذا تحريم لأنواع عظيمة من الحلال بمجرّد الشكّ، وهذا مناف لأصول الشريعة. والله أعلم.
٦ - باب النهي عن ذلك٢
٨/ ٧٤ - عن حُميد الحميري قال: لقيتُ رجلًا صَحِب النبيَّ ﷺ أربعَ سنين، كما صحبه أبو هريرة، قال: "نهى رسول الله ﷺ أن تغتسل المرأةُ بفضل الرجل، أو يغتسل الرجلُ بفضل المرأة. ــ زاد مُسدّد ــ: وليغترفا جميعًا".
وأخرجه النسائي٣.
(١) بعده في الأصل بياض قدر سطر.
(٢) قبله في "المختصر" (١/ ٧٩): باب الوضوء بفضل المرأة.