وقال الإمام أحمد ويحيى بن معين: كان مالك من أثبت الناس في حديثه١.
قال الشافعي٢ لمناظره في المسألة ــ وقد احتج عليه بحديث أبي هريرة في الاستسعاء ــ: وعلينا أن نصير إلى أثبت الحديثين؟ قال: نعم، قلت: فمع حديث نافع حديثُ عمران بن حصين بإبطال الاستسعاء. فقال بعضهم نناظرك في قولنا وقولك. فقلت: أوَ للمناظرة موضع مع ثبوت سنة رسول الله ﷺ بِطَرْح الاستسعاء في حديث نافع وعمران؟ قال: إنا نقول: إن أيوب قال: إنما قال نافع: «فقد عتق منه ما عتق» وربما لم يقله، وأكبر ظني أنه شيء كان يقوله نافع برأيه. فذكر ما تقدم من حفظ مالك وترجيح حديثه على أيوب.
قال أصحاب السعاية: مالك ومن معه رووا الحديث كما سمعوه، ولا ريب أن نافعًا كان يذكر هذه الزيادة متصلةً بالحديث، فأداه أصحابه كما سمعوه يذكرها.
(١) أسنده البيهقي (١٠/ ٢٧٩).
(٢) في «اختلاف الحديث» (١٠/ ٣٠٤ - ٣٠٥)، والمؤلف صادر عن «معرفة السنن» (١٤/ ٣٩٥).
وأما أيوب فاطلع على زيادة علمٍ لم يذكروها ولا نفوها، وإنما أدَّوا لفظ نافع كما سمعوه يسوق الحديث سياقة واحدة فأدوا ما حفظوه، وأيوب اطلع على تفصيلٍ وتمييزٍ في الحديث، فكلهم صادق في روايته، والحكم لمن فصّل وميّز. وهذا الشك منه هو عين الحفظ، فإنه سمع كما سمعه الجماعة وفصّل الزيادة وميّزها، فقال: «أكبر ظني أنه شيء كان يقوله نافع برأيه»، وسمعه مرة أو مرارًا يذكره متصلًا بالحديث، فشك هل هو من قوله أو من قول النبي ﷺ؟
وإنما يفيد تقديمُ عبيد الله ومالك عليه في الحفظ أن لو خالفهم، فإذا أدّى ما أدَّوه وروى ما رووه بعينه واطلع على زيادة لم يذكروها، كان الأخذ بروايته أولى، لأنهم لم يقولوا: قال نافع: قال رسول الله ﷺ: «وإلا فقد عتق منه ما عتق»، وإنما أدرجوها في الحديث إدراجًا كما سمعوه، وفصل أيوب هذا الإدراج فحفظ شيئًا لم يحفظوه.
قالوا: وعلى تقدير الجزم بأنها من كلام النبي ﷺ لا تُناقِض حديث الاستسعاء، فإنّ قوله: «وإلا فقد عتق منه ما عتق» معناه: وإن لم يكن لمعتق البعض مال يبلغ ثمن باقيه عَتَق من العبد بإعتاقه القدرُ الذي أعتقه. وأما الجزء الباقي فمسكوت عنه ولم يذكر حكمه، فجاء بيان ذكر حكمه في حديث أبي هريرة، فتضمَّن حديث أبي هريرة ما في منطوق حديث ابن عمر وزيادة بيان ما سكت عنه، ولا تنافي بين الحديثين.
وهذا ظاهر على أحد القولين، لأن باب السعاية أنه لا يَعتِق جميعه بعتق الشريك، وإنما يعتق بعد الأداء بالسعاية بخلاف الجزء الذي قد أعتقه، فإنه قد تنجّز عتقُه، وعِتقُ الجزء الآخر منتظَر موقوف على أداء ما استسعي عليه