ومنها: ما رواه البيهقي وغيره١ من حديث خَوَّات بن جبير: أن رجلًا أوصى إليه، وكان فيما ترك أمُّ ولدٍ له وامرأةٌ حرة، فوقع بين المرأة وبين أم الولد بعضُ الشيء، فأرسلت إليها الحرة: لتُباعَنّ رقبتُكِ يا لُكَع! فرفع ذلك خوات بن جبير إلى النبي ﷺ فقال: «لا تباع» وأَمَر بها فأُعتِقَت.
قال البيهقي٢: وهذا مما يتفرد بإسناده رِشدين بن سعد وابن لَهِيعة، وهما غير محتج بهما. وأحسن شيء روي فيه ... فذكر حديث سلامة بنت معقل، وقد تقدم، وذكرنا أنه لا دلالة فيه.
وقد ثبت عن عَبِيدة قال: قال علي: استشارني عمر في بيع أمهات الأولاد، فرأيت أنا وهو أنها عتيقة، فقضى به عمر حياته، وعثمان بعده، فلما وُلِّيتُ رأيت أنها رقيق»٣.
وعن عَبِيدة قال: قال علي: اجتمع رأيي ورأي عمر على عِتق أمهات الأولاد، ثم رأيت بعدُ أن أُرِقَّهن في كذا وكذا. قال: فقلت: رأيك ورأي عمر في الجماعة أحبُّ إليَّ مِن رأيك وحدَك في الفُرقة. وفي لفظ: في الفتنة٤.
(١) البيهقي (١٠/ ٣٤٥) والدارقطني (٤٢٤١ - ٤٢٤٣).
(٢) «معرفة السنن» (١٤/ ٤٦٩).
(٣) أخرجه الشافعي في «الأم» (٨/ ٤٤٠)، وابن أبي شيبة (٢٢٠١٠)، والبيهقي (١٠/ ٣٤٣) بإسناد صحيح.
(٤) أخرجه عبد الرزاق (١٣٢٢٤)، وسعيد بن منصور (٢٠٤٨)، وابن المنذر في «الأوسط» (١١/ ٦٠٦)، والبيهقي في «الكبرى» (١٠/ ٣٤٨) وفي «المعرفة» (١٤/ ٤٦٨)، وإسناده صحيح.
فهذا يدل على أن منعَ بيعهن إنما هو رأي رآه عمر، ووافقه عليٌّ وغيره، ولو كان عند الصحابة سنة من النبي ﷺ بمنع بيعهن لم يعزم علي على خلافها، ولم يقل له عبيدة: «رأيك ورأي عمر في الجماعة أحب إلينا»، وأقره علي على أن ذلك رأي.
وقال الشافعي١: ولا يجوز لسيدها بيعُها ولا إخراجها من ملكه بشيء غير العتق، وإنها حرة إذا مات مِن رأس المال ... ثم ساق الكلام إلى أن قال: وهو تقليد لعمر بن الخطاب.
وقد سلك طائفة في تحريم بيعهن مسلكًا لا يصح، فادعوا الإجماع السابق قبل الاختلاف الحادث؛ وليس في ذلك إجماع بوجه.
قال سعيد بن منصور في «سننه»٢: حدثنا سفيان، عن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس في أم الولد قال: «بِعها كما تبيع شاتَك أو بعيرك».
وباعهن علي، وأباح ابن الزبير بيعهن٣.
وقال صالح بن أحمد٤: قلت لأبي: إلى أي شيء تذهب في بيع أمهات الأولاد؟ قال: أكرهه، وقد باع علي بن أبي طالب. وقال في رواية إسحاق بن منصور٥: لا يعجبني بيعهن؛ فاختلف أصحابه على طريقتين:
(١) كما في «معرفة السنن» (١٤/ ٤٦٧).
(٢) برقم (٢٠٦٠)، وإسناده صحيح.
(٣) سبق ما روي عن علي، وأما عن ابن الزبير فأخرجه عبد الرزاق (١٣٢٢٨، ١٣٢٢٩)، وابن أبي شيبة (٢٢٠١١، ٢٢٠١٦)، والبيهقي (١٠/ ٣٤٣، ٣٤٨).
(٤) كما في «المغني» (١٤/ ٥٨٥)، ولم أجده في «مسائله».
(٥) «مسائل أحمد» برواية إسحاق بن منصور الكوسج (١/ ٤٠٠ - ٤٠١).