وحديث محمد بن جحش قد رواه الإمام أحمد في «مسنده»١ ولفظه: مر رسول الله ﷺ على معمر وفخذاه مكشوفتان، فقال: «يا معمر، غطِّ فخذيك، فإن الفخذين عورة».
وفي «مسند الإمام أحمد» من حديث عائشة٢ وحفصة٣، وهذا لفظ حديث عائشة: أن رسول الله ﷺ كان جالسًا كاشفًا عن فخذه فاستأذن أبو بكر، فأذن له وهو على حاله. ثم استأذن عمر، فأذن له وهو على حاله، ثم استأذن عثمان فأرخى٤ عليه ثيابَه، فلما قاموا قلت: يا رسول الله، استأذن أبو بكر وعمر فأذِنت لهما وأنت على حالك، فلما استأذن عثمان أرخيت عليك ثيابك؟ فقال: «يا عائشة ألا أستحْيِي من رجل واللهِ إن الملائكة
(١) برقم (٢٢٤٩٥)، وكذا البخاري في «التاريخ الكبير» (١/ ١٣)، والطبراني في «الكبير» (١٩/ ٣٤٥ - ٣٤٦)، والحاكم (٤/ ١٨٠) استشهادًا، من طرق عن العلاء بن عبد الرحمن الحُرَقي، عن أبي كثير مولى محمد بن عبد الله بن جحش، عن مولاه محمد. رجاله ثقات، إلّا أبا كثير مولى آل جحش ففيه جهالة حال، وبه أعله ابن حزم، وقولهم: «يقال له صحبة» لا يفيد توثيقًا لأنه قيل بسبب وهم بعض الرواة في إحدى طرق هذا الحديث، ولكن قد روى عنه جمع من الثقات ووثقه ابن حبان، فمثله يُحسَّن حديثه لاسيما في الشواهد، وقد صحح البيهقي إسناده. انظر: «المحلى» (٣/ ٢١٤)، و«الإصابة» (١٢/ ٥٦٧)، و«السنن الكبرى» (٢/ ٢٢٨).
(٢) برقم (٢٤٣٣٠)، وهو حديث صحيح رواه مسلم كما سيأتي.
(٣) برقم (٢٦٤٦٦، ٢٦٤٦٧)، وفي إسناده ضعف لجهالة حال التابعي الراوي عن حفصة.
(٤) في الأصل: «أرخوا» خطأ.
لتستحيي١ منه».
وقد رواه مسلم في «صحيحه»٢، ولفظه عن عائشة: كان رسول الله ﷺ مضطجعًا كاشفًا عن فخذيه ــ أو ساقيه ــ، فاستأذن أبو بكر فأذن له، وهو على تلك الحال ... فذكر الحديث. فهذا فيه الشك هل كان كشْفُه عن فخذيه أو ساقيه؟ وحديث الإمام أحمد فيه الجزم بأنه كان كاشفًا عن فخذه.
وفي «صحيح البخاري»٣ من حديث أبي موسى الأشعري: أن النبي ﷺ كان كاشفًا عن ركبتيه ــ في قصة القُفّ ــ، فلما دخل عثمان غطَّاها٤.
وطريق الجمع بين هذه الأحاديث ما ذَكَره غير واحد من أصحاب أحمد وغيرهم٥ أن العورة عورتان: مخففة ومغلظة، فالمغلظة: السوأتان، والمخففة: الفخذان. ولا تنافي بين الأمر بغضِّ البصر عنهما لكونهما عورةً، وبين كشفهما لكونهما عورة مخففة، والله تعالى أعلم.
١ - باب التعرِّي
٥٠٦/ ٣٨٦٠ - وعن بَهْز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، قال: قلت: يا
(١) في الطبعتين: «أستحي ... لتستحي» بياء واحدة، خلافًا للأصل، وهما لغتان، وبالياءين جاء في التنزيل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا﴾[البقرة: ٢٦].
(٢) برقم (٢٤٠١).
(٣) برقم (٣٦٩٥)، وهو مختصر من قصة دخول النبي ﷺ بئر أريس وجلوسه على قُفِّها ــ أي على حافتها ــ مُدْليًا رجليه في البئر، ثم دخول أبي بكر وعمر وعثمان عليه. أخرجها البخاري (٣٦٧٤) ومسلم (٢٤٠٢) بطولها ولكن بلفظ: «وكشف عن ساقيه».