تهذيب السنن

فطائفة قدمت أحاديث الدباغ عليه لصحتها وسلامتها من الاضطراب، وطعنوا في حديث ابن عكيم باضطرابه وبإرساله١.

وطائفة قدَّمت حديث ابن عكيم لتأخُّره وثقةِ رواته، ورأوا أن هذا الاضطراب لا يمنع الاحتجاج به. وقد رواه شعبة عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عبد الله بن عكيم، فالحديث محفوظ.

قالوا: ويؤيده ما ثبت عن النبي ﷺ من النهي عن افتراش جلود السباع والنمور، كما سيأتي٢.

وطائفة عَمِلت بالأحاديث كلها، ورأت أنه لا تعارض بينها، وحديث ابن عُكَيم إنما فيه النهي عن الانتفاع بأُهُب الميتة ــ والإهاب هو الجلد الذي لم يدبغ، كما قاله النضر بن شميل، وقال الجوهري٣: الإهاب الجلد ما لم يدبغ، والجمع: أُهُب ــ

وأحاديث الدباغ تدل على الاستمتاع بها بعد الدباغ، فلا تنافي بينهما.

وهذه الطريقة حسنة لولا أن قوله في حديث ابن عكيم: «كنتُ رخَّصتُ

  1. (١) وممن طعن فيه ابن معين كما في رواية ابن محرز (١/ ١٢٣).
  2. (٢) عند أبي داود والمنذري في «باب في جلود النمور»، وفيه عدّة أحاديث، منها الحديث الطويل في وفود المقدام بن معديكرب على معاوية وفيه أن المقدام قال لمعاوية: أنشدك بالله، هل تعلم أن رسول الله ﷺ نهى عن لُبْس جلود السباع والركوب عليها؟ قال: نعم.
  3. (٣) «الصحاح» (١/ ٨٩).
67

لكم في جلود الميتة، فإذا أتاكم كتابي فلا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب»، والذي كان رُخِّص فيه هو المدبوغ، بدليل حديث ميمونة١.

وقد يجاب عن هذا من وجهين:

أحدهما: أن هذه الزيادة لم يذكرها أحد من أهل السنن في هذا الحديث، وإنما ذكروا قوله ﷺ: «لا تنتفعوا من الميتة ...» الحديث، وإنما ذكرها الدارقطني٢،

وقد رواه خالدٌ الحذَّاء وشعبة عن الحَكَم فلم يذكرا: «كنت رخصت لكم»، فهذه اللفظة في ثبوتها شيء.

والوجه الثاني: أن الرخصة كانت مطلقةً غير مقيدة بالدباغ، وليس في حديث الزهري ذكر الدباغ، ولهذا كان ينكره ويقول: «يُستمتَع بالجلد على

  1. (١) عند أبي داود (٤١٢٠) ولفظه: عن ابن عباس عن ميمونة قالت: أُهدي لمولاة لنا شاةٌ من الصدقة فماتت، فمرّ بها النبي ﷺ فقال: «ألا دبغتُم إهابَها واستنفعتُم به؟» الحديث. وقد أخرجه مسلم (٣٦٣/ ١٠٠) من هذا الوجه. وهو عند البخاري (١٤٩٢، ٢٢٢١، ٥٥٣١، ٥٥٣٢) ومسلم (٣٦٣/ ١٠١) من مسند ابن عباس بلفظ: «هلّا استمتعتم بإهابها؟» ونحوه دون التقييد بالدباغ، وسيأتي الكلام عليه.
  2. (٢) لعله ذكرها في «الغرائب والأفراد»، انظر: «أطرافها» (٢/ ١٢١). وأخرجها الطبراني في «الأوسط» (١٠٤) بإسناده ضعيف، فيه فضالة بن المفضل بن فضالة، قال أبو حاتم في «الجرح والتعديل» (٧/ ٧٩): لم يكن بأهل أن يُكتب عنه العلم!
    وأخرجها أيضًا الخطيب في «تلخيص المتشابه» (٦٦٥) من طريق قرة بن سليمان الجهضمي، عن هشام بن حسّان، عن مطر الورّاق، عن الحكم، عن عبد الله بن عُكيم. قرّة بن سليمان ضعيف الحديث كما قال أبو حاتم في «الجرح والتعديل» (٧/ ١٣١)، ومطر الورّاق ليس ممن يُحتَمَل منه التفرد بهذه الزيادة دون شعبة وخالد الحذّاء.
68

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي