إلا غبًّا لمن يتأذّى بإدمان ذلك لمَرَضٍ أو شدّة برد، فنهاه عن تكلف ما يُضِرُّ به.
ويحتمل أنه نهى مَن يعتِقد أن ما كان يفعله أبو قتادة مِن دَهْنه مرتين١ أنه لازم، فأعلمه أن السنة من ذلك الإغباب به ــ لاسيما لمن يمنعه ذلك من تصرفه وشغله ــ، وأن ما زاد على ذلك ليس بلازم، وإنما يعتقد أنه مباح، من شاء فعله ومَن شاء تركه٢.
قال ابن القيم ﵀: وهذا لا يُحتاج إليه، والصواب أنه لا تعارض بينهما بحال، فإن العبد مأمور بإكرام شعره، ومنهي عن المبالغة والزيادة في الرفاهية والتنعُّم، فيكرم شعره ولا يتخذ الرفاهية والتنعم ديدَنه، بل يترجّل غبًّا. هذا أولى ما حمل عليه الحديثان، وبالله التوفيق.
٢ - باب ما جاء في خضاب السواد٣
٥١٧/ ٤٠٤٨ - عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «يكون
(١) أخرجه مالك في «الموطأ» (٢٧٣١) عن يحيى بن سعيد الأنصاري مرسلًا، ويخالفه مرسل ابن المنكدر عند البيهقي في «الشعب» (٦٠٤٠) أنه كان يَدْهنه يومًا ويدعه يومًا، وجاء في مرسل سعيد بن عبد الرحمن الجَحْشي عند معمر في «الجامع» (٢٠٥١٦) أنه كان يرجله كل يوم مرّتين.
(٢) كلام المنذري مثبت من (هـ)، وفيه تصرّف يسير جدًّا من المؤلف عمّا في «المختصر» (٦/ ٨٦).
(٣) في الأصل: «باب الخضاب»، وهو يسبق هذا الباب بباب في «السنن» و«المختصر»، والمثبت من (هـ)، فإن تعليق المؤلف إنما هو عليه.
قوم يَخضِبون في آخر الزمان بالسَّواد كحواصل الحمام، لا يَريحُون رائحةَ الجنة»
وأخرجه النسائي١.
في إسناده «عبد الكريم» ولم ينسبه أبو داود ولا النسائي، فذكر بعضهم٢ أنه عبد الكريم بن أبي المخارق أبو أمية، وهو لا يحتجّ بحديثه.
وذكر بعضهم أنه عبد الكريم بن مالك الجزري أبو سعيد، وهو من الثقات، اتفقا على الاحتجاج به. وهذا هو الصواب، فإنه قد نسبه بعض الرواة في هذا الحديث وقال: «عن عبد الكريم الجزري». وابن أبي المخارق من أهل البصرة نزل مكة. وأيضًا فإن الذي روى عن عبد الكريم هذا الحديث هو عبيد الله بن عمرو الرقي، وهو مشهور بالرواية عن عبد الكريم الجزري، وهو أيضًا من أهل الجزيرة.
وقد تقدّم حديث جابر في «صحيح مسلم»٣ وقوله: «واجتنبوا السواد».
وقد اختلف السلف من الصحابة والتابعين وغيرهم في الخضاب، فرأى بعضهم أن أمر النبي ﷺ بصبغ الشعر نَدْب، وأن تغييره أولى من تركه. وممن كان يخضب: أبو بكر وعمر والحسن والحسين وأبو عبيدة بن الجرّاح وغيرهم؛ يخضبون بالحنّاء والكتم.
(١) أبو داود (٤٢١٢)، والنسائي (٥٠٧٥) من طريق عبد الكريم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس.
(٢) هو ابن الجوزي في «الموضوعات» (٣/ ٥٥). وتعقّبه الذهبي في «تلخيص الموضوعات» (١/ ٢٦٧) وصحّح الحديث.
(٣) برقم (٢١٠٢)، وقد تقدّم عند أبي داود في «باب في الخضاب» برقم (٤٢٠٤)، وهو حديث إسلام أبي قحافة يوم الفتح ورأسه ولحيته كالثغامة بياضًا، فقال النبي ﷺ: «غيروا هذا بشيء، واجتنبوا السواد».