تهذيب السنن

قوم يَخضِبون في آخر الزمان بالسَّواد كحواصل الحمام، لا يَريحُون رائحةَ الجنة»

وأخرجه النسائي١.

في إسناده «عبد الكريم» ولم ينسبه أبو داود ولا النسائي، فذكر بعضهم٢ أنه عبد الكريم بن أبي المخارق أبو أمية، وهو لا يحتجّ بحديثه.

وذكر بعضهم أنه عبد الكريم بن مالك الجزري أبو سعيد، وهو من الثقات، اتفقا على الاحتجاج به. وهذا هو الصواب، فإنه قد نسبه بعض الرواة في هذا الحديث وقال: «عن عبد الكريم الجزري». وابن أبي المخارق من أهل البصرة نزل مكة. وأيضًا فإن الذي روى عن عبد الكريم هذا الحديث هو عبيد الله بن عمرو الرقي، وهو مشهور بالرواية عن عبد الكريم الجزري، وهو أيضًا من أهل الجزيرة.

وقد تقدّم حديث جابر في «صحيح مسلم»٣ وقوله: «واجتنبوا السواد».

وقد اختلف السلف من الصحابة والتابعين وغيرهم في الخضاب، فرأى بعضهم أن أمر النبي ﷺ بصبغ الشعر نَدْب، وأن تغييره أولى من تركه. وممن كان يخضب: أبو بكر وعمر والحسن والحسين وأبو عبيدة بن الجرّاح وغيرهم؛ يخضبون بالحنّاء والكتم.

  1. (١) أبو داود (٤٢١٢)، والنسائي (٥٠٧٥) من طريق عبد الكريم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس.
  2. (٢) هو ابن الجوزي في «الموضوعات» (٣/ ٥٥). وتعقّبه الذهبي في «تلخيص الموضوعات» (١/ ٢٦٧) وصحّح الحديث.
  3. (٣) برقم (٢١٠٢)، وقد تقدّم عند أبي داود في «باب في الخضاب» برقم (٤٢٠٤)، وهو حديث إسلام أبي قحافة يوم الفتح ورأسه ولحيته كالثغامة بياضًا، فقال النبي ﷺ: «غيروا هذا بشيء، واجتنبوا السواد».
72

[وروي] عن عمر ﵁ أنه كان يخضب بالحنّاء بحتًا. وكان ابن عمر وابن عباس وعبد الله بن بُسر والمغيرة بن شعبة ﵃ يُصفّرون لحاهم١.

وقال الإمام أحمد: إني لأرى الشيخ مخضوبًا فأفرح به. وذكر رجلًا لم يخضب وأنه يستحيي فقال: سبحان الله سنة رسول الله ﷺ!

قال المروذي: قلتُ يُحكى عن بشر بن الحارث أنه قال: قال لي ابن داود: خضبت؟ قلتُ أنا: لا أفرُغ لغسلها فكيف أتفرّغ لخضابها؟ فقال أحمد: قال النبي ﷺ: «غيِّروا الشَّيب»، وأبو بكر وعمر خضبا والمهاجرون؛ هؤلاء لم يتفرغوا لغسلها والنبي ﷺ أمر بالخضاب؟! فمن لم يكن على ما كان عليه النبي ﷺ فليس من الدين في شيء؛ وحديث أبي ذر، وحديث أبي هريرة، وحديث أبي رمثة، وحديث أم سلمة٢.

وذهب آخرون إلى أن ترك الشعر أبيض أفضل، وقالوا: توفي النبي ﷺ وفي عَنْفَقته ورأسه الشيبُ ولم يغيّره بشيء، ولو كان تغييره أفضل لكان قد آثر الأفضلَ.

قال ابن جرير٣: وممن كان لا يخضب عليٌّ وأبيُّ بن كعب وجماعة من الصحابة والتابعين.

قال٤: والصواب عندنا أن الآثار التي رويت عن النبي ﷺ بتغيير الشيب

  1. (١) انظر الآثار المتقدمة في «مصنف ابن أبي شيبة» (كتاب اللباس، باب في الخضاب بالحناء، وباب في تصفير اللحية)، و«تهذيب الآثار» للطبري (ص ٤٦٠ - ٤٩٢ ــ الجزء المتمم بتحقيق علي رضا).
  2. (٢) من قوله قال الإمام أحمد إلى هنا مما زاده المؤلف على كلام المنذري نقلًا عن «المغني» (١/ ١٢٥ - ١٢٦).
  3. (٣) في «تهذيب الآثار» للطبري (ص ٤٩٦ وما بعدها ــ الجزء المتمم) مُسنِدًا آثارهم.
  4. (٤) «تهذيب الآثار» للطبري (ص ٥١٦ ــ الجزء المتمم).
73

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي