تهذيب السنن

[وروي] عن عمر ﵁ أنه كان يخضب بالحنّاء بحتًا. وكان ابن عمر وابن عباس وعبد الله بن بُسر والمغيرة بن شعبة ﵃ يُصفّرون لحاهم١.

وقال الإمام أحمد: إني لأرى الشيخ مخضوبًا فأفرح به. وذكر رجلًا لم يخضب وأنه يستحيي فقال: سبحان الله سنة رسول الله ﷺ!

قال المروذي: قلتُ يُحكى عن بشر بن الحارث أنه قال: قال لي ابن داود: خضبت؟ قلتُ أنا: لا أفرُغ لغسلها فكيف أتفرّغ لخضابها؟ فقال أحمد: قال النبي ﷺ: «غيِّروا الشَّيب»، وأبو بكر وعمر خضبا والمهاجرون؛ هؤلاء لم يتفرغوا لغسلها والنبي ﷺ أمر بالخضاب؟! فمن لم يكن على ما كان عليه النبي ﷺ فليس من الدين في شيء؛ وحديث أبي ذر، وحديث أبي هريرة، وحديث أبي رمثة، وحديث أم سلمة٢.

وذهب آخرون إلى أن ترك الشعر أبيض أفضل، وقالوا: توفي النبي ﷺ وفي عَنْفَقته ورأسه الشيبُ ولم يغيّره بشيء، ولو كان تغييره أفضل لكان قد آثر الأفضلَ.

قال ابن جرير٣: وممن كان لا يخضب عليٌّ وأبيُّ بن كعب وجماعة من الصحابة والتابعين.

قال٤: والصواب عندنا أن الآثار التي رويت عن النبي ﷺ بتغيير الشيب

  1. (١) انظر الآثار المتقدمة في «مصنف ابن أبي شيبة» (كتاب اللباس، باب في الخضاب بالحناء، وباب في تصفير اللحية)، و«تهذيب الآثار» للطبري (ص ٤٦٠ - ٤٩٢ ــ الجزء المتمم بتحقيق علي رضا).
  2. (٢) من قوله قال الإمام أحمد إلى هنا مما زاده المؤلف على كلام المنذري نقلًا عن «المغني» (١/ ١٢٥ - ١٢٦).
  3. (٣) في «تهذيب الآثار» للطبري (ص ٤٩٦ وما بعدها ــ الجزء المتمم) مُسنِدًا آثارهم.
  4. (٤) «تهذيب الآثار» للطبري (ص ٥١٦ ــ الجزء المتمم).
73

وبالنهي عن تغييره كلَّها صحاح، وليس فيها شيء يُبطِل ما خالفه، لكن بعضها عام وبعضها خاص؛ فالمراد بأحاديث التغيير الخصوص مثل ما كان شيبُ أبي قحافة، فأمَّا الشَّمَط ففيه النهي عن التغيير. واختلاف السلف بحسب اختلاف أحوالهم، ولا يصح أن يقال: إن أحدها ناسخ للآخر لعدم دليل النسخ. هذا كلامه.

وقال آخرون: ذلك دليل على اختلاف حالين، أحدهما: عادة البلد، والثاني: اختلاف الناس، فرُبَّ شيبةٍ هي أجمل منها مصبوغة، ومنه ما يُستشنَع١ فالصَّبْغُ فيه أولى.

وفي الخضاب فائدتان، أحدهما: تنظيف الشعر مما تعلق به من الغبار ونحوه، والثاني: مخالفة أهل الكتاب٢.

قال ابن القيم ﵀: والصواب أن الأحاديث في هذا الباب لا اختلاف بينها٣ بوجه، فإن الذي نهى عنه النبي ﷺ من تغيير الشيب أمران، أحدهما: نَتْفه٤، والثاني: خضابه بالسواد، كما تقدم، والذي أذن فيه صَبْغُه وتغييره بغير السواد، كالحنّاء والصُّفرة، وهو الذي عمله الصحابة ﵃.

قال الحَكَم بن عمرو الغفاري: دخلت أنا وأخي رافع على عمر بن

  1. (١) كذا في (هـ)، وفي «المختصر» المخطوط: «يُستبشَع».
  2. (٢) كلام المنذري من (هـ)، وما كان فيه من سقط وخرم وتصحيف فاستدرك من «المختصر» المخطوط. وقد زاد المؤلف في أثنائه نقلًا عن «المغني» كما سبق التنبيه عليه في موضعه.
  3. (٣) الأصل: «بينهما»، والمثبت من (هـ).
  4. (٤) يشير إلى ما سبق في «سنن أبي داود» (٤٢٠٢) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه مرفوعًا: «لا تنتفوا الشيب، ما من مسلم يشيب شَيبة في الإسلام إلا كانت له نورًا يوم القيامة».
74

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي