تهذيب السنن

وليس في شيء مِن هذا ما يقدح فيه. وقال ابن القطان١: ولا أعلم لهذا الحديث علة.

١٢/ ١٠٤ - وعن ابن عباس قال: "دخل [علَيَّ] عليُّ بن أبي طالب ــ وقد أهْراقَ الماء ــ فدعا بوَضوء، فأتيناه بتَوْر فيه ماء، حتى وضعناه بين يديه، فقال: يا ابن عباس، ألا أريك كيف كان يتوضأ رسولُ الله ﷺ؟ قلت: بلى، قال: فأصغَى الإناء على يده فغسلها، ثم أدخل يده اليمنى فأفرغ بها على الأخرى، ثم غسل كفيه، ثم تمضمض واستنثر، ثم أدخل يديه في الإناء جميعًا، فأخذ بهما حَفْنَة من ماء، فضرب بها على وجهه، ثم ألقَمَ إبهاميه ما أقبل من أذنيه، ثم الثانية، ثم الثالثة مثل ذلك، ثم أخذ بكفه اليمنى قبضة من ماء فصبها على ناصيته، فتركها تَسْتَنُّ على وجهه، ثم غسل ذارعيه إلى المرفقين ثلاثًا ثلاثًا، ثم مسح رأسه وظهورَ أذنيه، ثم أدخل يديه جميعًا، فأخذ حَفنة من ماء فضرب بها على رجله وفيها النعل، ففَتَلها بها، ثم الأخرى مثل ذلك، قال: قلت: وفي النعلين؟ قال: وفي النعلين، قال: قلت: وفي النعلين؟ قال: وفي النعلين، قال: قلت: وفي النعلين؟ قال: وفي النعلين".

في هذا الحديث مقال٢.

قال ابن القيم ﵀: هذا من الأحاديث المشكلة جدًّا، وقد اختلف مسالكُ الناس في دفع إشكاله:

فطائفة ضعَّفَتْه، منهم البخاري والشافعي، قال٣: والذي خالفه أكثر

  1. (١) في "بيان الوهم والإيهام": (٣/ ٣٦٣).
  2. (٢) أخرجه أبو داود (١١٧).
  3. (٣) في "اختلاف الحديث": (١٠/ ١٦٢ - مع الأم).
86

وأثبت منه، وأما الحديث الآخر ــ يعني هذا ــ فليس مما يُثْبِتُ أهلُ العلم بالحديث لو انفرد.

وفي هذا المسلك نظر؛ فإن البخاريّ روى في "صحيحه"١ حديثَ ابن عباس كما سيأتي، وقال في آخره: "ثم أخذ غَرْفةً من ماء فرشَّ بها على رجله اليمنى حتى غسلها، ثم أخذ غَرْفة أخرى، فغسل بها ــ يعني رجله اليسرى ــ ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ".

المسلك الثاني: أنَّ هذا كان في أوّل الإسلام، ثم نُسِخ بأحاديث الغسل. وكان ابن عباس أوّلًا يذهب إليه، بدليل ما روى الدارقطني٢: ثنا إبراهيم بن حمّاد، ثنا العباس بن يزيد، نا سفيان بن عيينة، ثنا عبد الله بن محمد بن عقيل: أن عليّ بن الحسين أرسله إلى الرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذ يسألها عن وضوء النبيّ ﷺ، فذكر الحديث وقالت: "ثم غسل رجليه"، قالت: وقد أتاني ابن عمٍّ لك ــ تعني ابنَ عباس ــ فأخبرتُه، فقال: "ما أجد في الكتاب إلا غَسْلتين ومَسْحتَين٣ ". ثم رجع ابن عباس عن هذا لمَّا بلغه غسل النبي ﷺ رجليه، وأوجبَ الغُسلَ.

فلعلّ حديث عليّ وحديث ابن عباس كان في أول الأمر ثم نُسِخ. والذي يدلّ عليه أن فيه: "أنه مسح عليهما بدون حائل"، كما روى هشام بن

  1. (١) (١٤٠).
  2. (٢) في "السنن" (٣٢٠)، وأخرجه من طريقه البيهقي: (١/ ٧٢)، ورواه أبو عبيد في "الطهور" (٣٨٩) قال: وبلغني عن سفيان بن عيينة، وساقه بإسناده.
  3. (٣) في الأصل والمطبوعات: "غسلين ومسحين" والتصحيح من "سنن الدارقطني" ومصادر التخريج.
87

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي