تهذيب السنن

امرأة من بني مخزوم استعارت حليًا على لسان أناس فجحدته، فأمر بها النبي ﷺ فقطعت. ذكره النسائي١ أيضًا.

فقد صحّ الحديث ولله الحمد.

ولا تنافي بين ذكر جحد العارية وبين السرقة، فإن ذلك داخل في اسم السرقة.

فإن هؤلاء الذين قالوا: «إنها جحدت العارية»، وذكروا أن قطعها لهذا السبب= قالوا: «إنها سرقت»، فأطلقوا على ذلك اسم السرقة، فثبت لغة أن فاعل ذلك سارق، وثبت شرعًا أن حدَّه قطع اليد.

وهذه الطريقة أولى من سلوك طريقة القياس في اللغة، فيُثبَت كون الخائن سارقًا لغة قياسًا على السارق، ثم يثبت الحكم فيه.

وعلى ما ذكرناه يكون تناولُ اسم السارق للجاحد لغةً، بدليل تسمية الصحابة له سارقًا. ونظير هذا سواء ما تقدم٢ من تسمية نبيذ التمر وغيره خمرًا لغةً لا قياسًا، وكذلك تسمية النباش سارقًا.

وأما قولهم: إن ذكر جحد العارية للتعريف، لا أنه المؤثر؛ فكلام في غاية الفساد، لو صح مثله ــ وحاشا وكلّا ــ لذهب من أيدينا عامة الأحكام المترتبة على الأوصاف.

وهذه طريقة لا يرتضيها أئمة العلم، ولا يردّون بمثلها السنن، وإنما

  1. (١) برقم (٤٨٩٢)، وأخرجه أيضًا عبد الرزاق (١٨٨٣٣) من طريق آخر عن ابن المسيب مرسلًا، وإسناده صحيح.
  2. (٢) انظر: باب الخمر مما هي؟ (٢/ ٥٨٣ - ٥٨٦).
98

يسلكها بعض المقلدين من الأتباع.

ولو ثبت أن جاحد العارية لا يسمّى سارقًا لكان قطعه بهذا الحديث جاريًا على وَفْق القياس، فإن ضرره مثل ضرر السارق أو أكثر، إذ يمكن الاحتراز من السارق بالإحراز والحفظ.

وأما العارية فالحاجة الشديدة التي تبلغ الضرورةَ ماسَّةٌ إليها، وحاجة الناس فيما بينهم إليها من أشد الحاجات، ولهذا ذهب مَن ذهب [مِن] العلماء إلى وجوبها، وهو مذهب كثير من الصحابة والتابعين١، وأحد القولين في مذهب أحمد٢. فترتيب القطع على جاحدها طريق إلى حفظ أموال الناس، وتركِ باب هذا المعروف مفتوحًا.

وأما إذا علم أن الجاحد لا يقطع فإنه يُفضي إلى سدّ باب العارية في الغالب.

وسر المسألة أن السارق إنما قطع دون المنتهب والمختلس لأنه لا يمكن التحرّز منه، بخلاف المنتهب والمختلس، فإنه إنما يفعل ذلك عند عدم احتراز المالك. وقد ذكرنا أن العارية فيما بين الناس أمر تدعو إليه الحاجة، فلا يمكن سده والاحتراز منه، فكان قطع اليد في جنايته كقطعها في جناية السرقة، وبالله التوفيق.

  1. (١) كابن مسعود وابن عباس وأصحابهما، فإنهم فسروا (الماعون) الذي ذم الله مانعيه بأنه العارية التي يتعاورها الناس بينهم كالفأس والقدر والدلو وأشباهها. انظر: «تفسير الطبري» (٢٤/ ٦٧١ - ٦٧٧).
  2. (٢) وهو اختيار شيخ الإسلام. انظر: «الفروع» (٧/ ١٩٧).
99

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي