ولو ثبت أن جاحد العارية لا يسمّى سارقًا لكان قطعه بهذا الحديث جاريًا على وَفْق القياس، فإن ضرره مثل ضرر السارق أو أكثر، إذ يمكن الاحتراز من السارق بالإحراز والحفظ.
وأما العارية فالحاجة الشديدة التي تبلغ الضرورةَ ماسَّةٌ إليها، وحاجة الناس فيما بينهم إليها من أشد الحاجات، ولهذا ذهب مَن ذهب [مِن] العلماء إلى وجوبها، وهو مذهب كثير من الصحابة والتابعين١، وأحد القولين في مذهب أحمد٢. فترتيب القطع على جاحدها طريق إلى حفظ أموال الناس، وتركِ باب هذا المعروف مفتوحًا.
وأما إذا علم أن الجاحد لا يقطع فإنه يُفضي إلى سدّ باب العارية في الغالب.
وسر المسألة أن السارق إنما قطع دون المنتهب والمختلس لأنه لا يمكن التحرّز منه، بخلاف المنتهب والمختلس، فإنه إنما يفعل ذلك عند عدم احتراز المالك. وقد ذكرنا أن العارية فيما بين الناس أمر تدعو إليه الحاجة، فلا يمكن سده والاحتراز منه، فكان قطع اليد في جنايته كقطعها في جناية السرقة، وبالله التوفيق.
(١) كابن مسعود وابن عباس وأصحابهما، فإنهم فسروا (الماعون) الذي ذم الله مانعيه بأنه العارية التي يتعاورها الناس بينهم كالفأس والقدر والدلو وأشباهها. انظر: «تفسير الطبري» (٢٤/ ٦٧١ - ٦٧٧).
(٢) وهو اختيار شيخ الإسلام. انظر: «الفروع» (٧/ ١٩٧).
٣ - باب إذا سرق مرارًا
٥٢٩/ ٤٢٤٨ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: جيء بسارق إلى النبي ﷺ فقال: «اقْتُلُوه». فقالوا: يا رسول الله، إنما سرقَ، فقال: «اقْطَعُوه». قال: فقُطع، ثم جيء به الثانيةَ فقال: «اقتلوه»، فقالوا: يا رسول الله، إنما سرق، قال: «اقطعوه»، قال: فقطع. ثم جيء به الثالثة فقال: «اقتلوه»، فقالوا: يا رسول الله، إنما سرق، قال: «اقطعوه». ثم أُتي به الرابعةَ فقال: «اقتلوه»، فقالوا: يا رسول الله، إنما سرق، قال: «اقطعوه»، فأتي به الخامسة فقال: «اقتلوه». قال جابر: فانطلقنا به فقتلناه، ثم اجتررناه فألقيناه في بئر، ورمينا عليه الحجارة.
وأخرجه النسائي١ وقال: هذا منكر، ومصعب بن ثابت ليس بالقوي في الحديث.
مصعب بن ثابت هذا هو: أبو عبد الله مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام، وقد ضعَّفه غير واحدٍ من الأئمة٢.
وقال محمد بن المنكدر لمّا حُدِّث بحديث القتل في الرابعة: وقد تُرِك ذلك؛ قد أتي النبي ﷺ بابن النُّعَيمان فجلده ثلاثًا، ثم أتي به الرابعة فجلده ولم يزد٣.
(١) أبو داود (٤٤١٠)، والنسائي في «المجتبى» (٤٩٧٨) و«الكبرى» (٧٤٢٩)، من طريق مصعب بن ثابت، عن ابن المنكدر، عن جابر.
(٢) انظر: «تهذيب التهذيب» (١٠/ ١٥٨ - ١٥٩).
(٣) الحديث الذي حُدِّث به ابن المنكدر هو حديث قتل من شرب الخمر في المرّة الرابعة؛ حدَّثه به معمر عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعًا. أخرجه عبد الرزاق (١٣٥٤٩، ١٧٠٨١) ومن طريقه الحاكم (٤/ ٣٧٢). وخبر جلد ابن النعيمان في البخاري (٢٣١٦) ولكن ليس فيه أنه أتي به مرارًا، وإنما روي ذلك عند النسائي (٥٢٨٤) عقب حديث رواه ابن المنكدر عن جابر مرفوعًا في قتل شارب الخمر في الرابعة، ولم أتبيّن هل هو من قول جابر أو ابن المنكدر. وروي أيضًا من مرسَل الزهري وزيد بن أسلم عند عبد الرزاق (١٣٥٥٠، ١٣٥٥٢).