وقال آخرون: الحديث لا يثبت، والسنةُ مصرِّحة بخلافه، والإجماعُ من الأمة على أنه لا يُقتل١.
قال ابن القيم ﵀: وهذا المعنى قد رواه النسائي من حديث مصعب بن ثابت عن محمد بن المنكدر عن جابر وهو المتقدم.
ورواه٢
من حديث النضر بن شميل، حدثنا حماد، أخبرنا يوسف، عن الحارث بن حاطب: أن رسول الله ﷺ أُتي بلصٍّ فقال: «اقتلوه»، فقالوا: يا رسول الله، إنما سرق [ثم قال: «اقتلوه»، قالوا: يا رسول الله، إنما سرق]، قال: «اقطعوا يده». قال: ثم سرق فقُطِعت رِجُله، ثم سرق على عهد أبي بكر حتى قطعت قوائمه كلها، ثم سرق أيضًا الخامسةَ فقال أبو بكر: كان رسول الله ﷺ أعلم بهذا حين قال: «اقتلوه»، ثم دفعه إلى فِتْية من قريش ليقتلوه، منهم عبد الله بن الزبير وكان يحب الإمارة فقال: أمِّروني عليكم، فأَمَّروه عليهم، فكان إذا ضرب ضربوه، حتى قتلوه.
قال النسائي٣: ولا أعلم في هذا الباب حديثًا صحيحًا.
(١) الكلام السابق كلّه من (هـ)، والمجرّد قد أشار إلى طرفه الأخير ونسبه إلى المنذري، وهو كذلك إلا النقل عن ابن المنكدر والشافعي فيمن شرب مرارًا، فإنه ليس في «المختصر» المخطوط، والظاهر أنه مما زاده المؤلف.
(٢) «المجتبى» (٤٩٧٧) و«الكبرى» (٧٤٢٨)، وما بين الحاصرتين منه، ولعله سقط لانتقال النظر. والحديث رجاله ثقات، وقد استدركه الحاكم (٤/ ٣٨٢) واختاره الضياء (١/ ١٢٨)، ولكن الذهبي تعقّب الحاكم فقال: بل منكر!
(٣) في «الكبرى» عقب الحديث (٧٤٢٩).
وأما ما ذكره مِن قتل شارب الخمر بعد الرابعة، فقد قال طائفة من العلماء: إن الأمر بقتله في الرابعة متروك بالإجماع، وهذا هو الذي ذكره الترمذي١ وغيره.
وقيل: هو منسوخ بحديث عبد الله «حمار»٢ وأن النبي ﷺ لم يقتله في الرابعة٣.
وقال الإمام أحمد٤ وقد قيل له: لم تركتَه؟ فقال: لحديث عثمان: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث»٥.
وفي ذلك كله نظر. أما دعوى الإجماع على خلافه، فلا إجماع. قال عبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو: «ائتوني به في الرابعة، فعلي أن أقتله»٦. وهذا مذهب بعض السلف.
(١) في «جامعه» عقب الحديث (١٤٤٤).
(٢) في الطبعتين هنا وفي الموضع الآتي: «عبد الله بن حمار» خلافًا للأصل، وهو خطأ إذ إن «حمار» لقب له، وليس اسم أبيه.
(٣) أخرجه البخاري (٦٧٨٠) من حديث عمر، وفيه أن النبي ﷺ جَلَده في الشراب فأُتي به يومًا فأمر به فَجُلِد، فقال رجل من القوم: اللهم العَنْه، ما أكثرَ ما يؤتى به! فقال النبي ﷺ: «لا تلعنوه ...» الحديث. وليس فيه التصريح بعدد مرّات المجيء.
(٤) في «مسائله» رواية ابن هانئ (٢/ ١٣٩ - ١٤٠).
(٥) أخرجه أحمد (٤٣٧، ٤٥٢)، وأبو داود (٤٥٠٢)، والترمذي (٢١٥٨) وحسّنه، والنسائي (٤٠١٩، ٤٠٥٧، ٤٠٥٨) من طرق صحاح. وهو في «الصحيحين» من حديث ابن مسعود ﵁.
(٦) لم أجده عن ابن عمر، وأما قول عبد الله بن عمرو فأخرجه أحمد (٦٧٩١) والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٣/ ١٥٩)، والطبراني في «الكبير» (١٤/ ١٦) من رواية الحسن البصري عنه، وهي مرسلة فإن الحسن لم يسمع منه، كما جزم به علي ابن المديني. انظر: «المراسيل» لابن أبي حاتم (ص ٤١).