قال النسائي: لا نعلم أحدًا تابع عمرو بن شعيب على هذه الرواية، ولا سعيدَ بن عبيد على روايته عن بُشَير بن يسار، والله أعلم.
وقال مسلم١: رواية سعيد بن عُبَيد غلط ويحيى بن سعيد أحفظ منه٢.
وقال البيهقي٣: هذا يحتمل أن لا يخالف رواية يحيى بن سعيد عن بشير، وكأنه أراد بالبينة هنا أيمان المدعِين مع اللَّوْث كما فسره يحيى بن سعيد، أو طالبهم بالبينة كما في رواية سعيد بن عبيد، فلما لم يكن عندهم بينة عرض عليهم الأيمان كما في رواية يحيى بن سعيد، فلما لم يحلفوا ردّها على اليهود كما في الروايتين جميعًا. ويدل على ما ذكره البيهقي حديثُ النسائي عن عمرو بن شعيب.
والصواب رواية الجماعة الذين هم أئمة أثبات أنه بدأ بأيمان المدَّعِين، فلما لم يحلفوا ثنَّى بأيمان اليهود. وهذا هو المحفوظ في هذه القصة وما سواه وهْم، وبالله التوفيق.
٥٣٦/ ٤٣٦١ - وعن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يَسار، عن رجال من الأنصار: أن النبي ﷺ قال لليهود ــ وبدأ بهم ــ: «يَحْلِفُ منكم خمسون رجلًا»، فأبَوا، فقال للأنصار: «اسْتَحِقُّوا». قالوا: نحلِفُ على الغَيبِ يا
(١) في كتابه «التمييز» (ص ١٣٨)، والمؤلف صادر عن «معرفة السنن» (١٢/ ١٧٦).
(٢) رواية يحيى بن سعيد عن بُشير بن يسار أخرجها البخاري (٦١٤٢) ومسلم (١٦٦٩/ ١) وأبو داود (٤٥٢٠)، وفيها أن النبي ﷺ بدأ بالمدَّعين أن يقسموا خمسين يمينًا، وليس فيها أنه ﷺ سألهم البيّنة، على خلاف رواية سعيد بن عبيد عن بُشير.
(٣) في «المعرفة» (١٢/ ١٧٦ - ١٧٧)، وبنحوه في «السنن» (٨/ ١٢٠).
رسول الله؟! فجعلها رسول الله ﷺ ديةً على يهود لأنه وُجِد بين أظهرهم١.
قال بعضهم: وهذا ضعيف لا يُلتفَت إليه.
وقد قيل للإمام الشافعي ﵀٢: فما منعك أن تأخذ بحديث ابن شهاب؟ قلت: مرسل، والقتيل أنصاري، والأنصاريون بالعناية أولى بالعلم به من غيرهم إذا٣ كان كلٌّ ثقة، وكلٌّ عندنا بنعمة الله ثقة.
قال ابن القيم ﵀: وهذا الحديث له علة، وهي أن معمرًا انفرد به عن الزهري، وخالفه ابن جريج وغيره، فرووه عن الزهري بهذا الإسناد بعينه عن أبي سلمة وسليمان عن رجال من أصحاب النبي ﷺ: أن رسول الله ﷺ أقرّ القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية وقضى بها بين ناس من الأنصار في قتيل ادَّعَوه على اليهود. ذكره البيهقي٤. والقسامة في الجاهلية كانت قسامةَ الدم.
وفي قول الشافعي: «إن حديث ابن شهاب مرسل» نظر، والرجال من الأنصار لا يمتنع أن يكونوا صحابة، فإن أبا سلمة وسليمان كل منهما من
(١) «سنن أبي داود» (٤٥٢٦).
(٢) كما في «اختلاف الحديث» (١٠/ ٢٩٦ - مع الأم) له، وعنه البيهقي في «المعرفة» (١٢/ ١٨١) و«السنن» (٨/ ١٢١).
(٣) في مطبوعة «المختصر» و«المعرفة»: «إذ»، ولعل المثبت من «اختلاف الحديث» و«سنن البيهقي» أشبه.
(٤) في «المعرفة» (١٢/ ١٨١)، وقد أخرجه مسلم (١٦٧٠) من طريق ابن جريج وصالح بن كيسان ويونس بن يزيد، ثلاثتهم عن الزهري به. وأخرجه أحمد (١٦٥٩٨) والبيهقي في «السنن» (٨/ ١٢٢) من طريق عُقيل عن الزهري به.