وأما ما رواه الثوري في «جامعه»٢ عن عبد الرحمن عن القاسم بن عبد الرحمن أن عمر بن الخطاب قال: «القسامة توجب العقل ولا تُشيط الدم»، فمنقطع موقوف.
وأما حديث الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه استحلف اليهود خمسين يمينًا، ثم جعل عليهم الدية٣، فلا يحل لأحد معارضة رواية الأئمة الثقات بالكلبي وأمثاله.
وأما حديث عمر بن صُبْح٤ عن مقاتل بن حيان عن صفوان عن ابن المسيب عن عمر في قضائه بذلك، وقوله: «إنما قضيت عليكم بقضاء نبيكم ﷺ»٥، فلا يجوز أيضًا معارضة الأحاديث الثابتة بحديث من أجمع علماء الحديث على ترك الاحتجاج به، وهو ابن صُبْح الذي لم يُسفر صباحُ صِدقه في الرواية.
(١) أخرجه أبو داود في «المراسيل» (ص ٢١٩)، ومن طريقه البيهقي (٨/ ١٢٩).
(٢) كما في «المعرفة» (١٢/ ٢٢)، ومن طريق الثوري أخرجه عبد الرزاق (١٨٢٨٦) والبيهقي في «الكبرى» (٨/ ١٢٩). وأخرجه ابن أبي شيبة (٢٨٤٠٩) من طريق وكيع عن عبد الرحمن المسعودي به.
(٤) في الطبعتين هنا وفي الموضع الآتي: «صبيح»، خطأ مخالف للأصل.
(٥) أخرجه الدارقطني (٣٣٥٤)، ومن طريقه البيهقي في «الكبرى» (٨/ ١٢٥). قال الدارقطني: «عمر بن صُبح متروك الحديث». وقد رماه إسحاق بن راهويه وابن حبان وغيرهما بالوضع.
وأما حديث سفيان بن عيينة عن منصور عن الشعبي أن عمر بن الخطاب كتب في قتيلٍ وُجِد بين خَيْوان١ ووَادِعة: أن يقاس ما بين الفريقين، فإلى أيهما كان أقرب أخرج منهم خمسين رجلًا حتى يوافوه بمكة، فأدخلهم الحجر فأحلفهم، ثم قضى عليهم بالدية، فقالوا: ما وَقَتْ أموالُنا أيمانَنا، ولا أيمانُنا أموالَنا، فقال عمر: «كذلك الأمر»، وفي لفظ قال عمر: «حقنتُ٢ بأيمانكم دماءَكم، ولا يُطَلُّ٣ دم امرئ مسلم»٤ = فقال
(١) رُسم في الأصل بالراء، فتحرّف في ط. الفقي إلى: «جِيزان» والتصويب من مصادر التخريج. وخيوان ووادعة من مخاليف اليمن. انظر: «المسالك والممالك» لابن خُرْداذْبُهْ (ص ١٣٦ - ١٣٧). وهما اليوم يتبعان محافظة عَمْران شمال صنعاء.
(٢) كذا في الأصل والطبعتين وله وجه، وفي مصادر التخريج: «حقنتُم».
(٣) أي لا يذهب هدَرًا.
(٤) أخرجه الشافعي في «الأم» (٨/ ٣١ - ٣٢)، ومن طريقه البيهقي في «المعرفة» (١٢/ ١٦) و«السنن» (٨/ ١٢٤). وأخرجه عبد الرزاق (١٨٢٦٦، ١٨٢٦٧)، وابن أبي شيبة (٢٨٣٩١، ٢٨٤٣٠) من طرق أخرى عن الشعبي مختصرًا. وإسناده منقطع، لأن الشعبي لم يُدرك عمر. وأخرجه ابن أبي شيبة (٢٨٣٩٠)، والطحاوي في «معاني الآثار» (٣/ ٢٠١)، من حديث أبي إسحاق عن الحارث بن الأَزْمَع الهَمْداني الوادعي عن عمر، والحارث قد أدرك الواقعة، وهو مخضرم من كبار التابعين، وثقه العجلي وابن حبان. وفي «العلل» لابن المديني ــ كما في «تهذيب التهذيب» (٨/ ٦٦) ــ ما يدلّ على أن أبا إسحاق لم يسمعه من الحارث، وإنما سمعه من مجالد عن الشعبي عن الحارث. وعلى هذا صحّت رواية الشعبي المرسلة عن عمر، لأن الواسطة بينهما الحارث بن الأزمع. وأخرجه عبد الرزاق (١٨٢٦٦) من رواية الحكم بن عتيبة، عن الحارث بن الأزمع مختصرًا، والظاهر أن الحكم لم يُدرك الحارث، ولعله أخذه عن الشعبي عنه، والله أعلم.