تهذيب السنن

قال: كنا نقعد مع رسول الله ﷺ في المسجد فإذا قام قمنا، فقام يومًا وقمنا معه حتى إذا بلغ وسط المسجد أدركه أعرابي، فجبذ بردائه من ورائه، وكان رداؤه خَشِنًا فحمَّر رقبته، قال: يا محمد، احمِلْ لي على بعيري هذين، فإنك لا تحمل من مالِك ولا من مال أبيك! فقال رسول الله ﷺ: «لا، وأستغفر الله، لا أحمل لك حتى تُقيدَني مما جبذت برقبتي»، فقال الأعرابي: لا والله لا أقيدك، [فقال رسول الله ﷺ ذاك ثلاث مرّات، كل ذلك يقول: لا والله لا أُقيدك]١، فلما سمعنا قول الأعرابي أقبلنا إليه سراعًا فالتفت إلينا رسول الله ﷺ فقال: «عزمتُ على من سمع كلامي أن لا يَبرحَ مقامه حتى آذَنَ له»، فقال رسول الله ﷺ لرجل من القوم: «يا فلان احمل له على بعير شعيرًا، وعلى بعيرٍ تمرًا» ثم قال رسول الله ﷺ: «انصرفوا». ترجم عليه: «القود من الجَبْذَة»، ورواه أبو داود.

وروى النسائي٢

أيضًا من حديث سعيد بن جبير أخبرني ابن عباس: أن رجلًا وقع في أبٍ كان له في الجاهلية، فلطمه العباس، فجاء٣ قومَه فقالوا: لنَلْطِمَنَّه كما لطمه، فلبسوا السلاح، فبلغ ذلك النبي ﷺ، فصعد المنبر، فقال: «أيها الناس، أي أهل الأرض تعلمون أكرمُ على الله؟» قالوا

  1. (١) ما بين الحاصرتين ساقط من الأصل لانتقال النظر.
  2. (٢) في «المجتبى» (٤٧٧٥) و«الكبرى» (٦٩٥١)، وأخرجه أيضًا أحمد (٢٧٣٤)، والبزار (٥٠٨٢)، والحاكم (٣/ ٣٢٩) كلهم من طريق عبد الأعلى بن عامر الثعلبي، عن سعيد بن جبير به.
    عبد الأعلى فيه لين، وقد قال أحمد إنه منكر الحديث عن سعيد بن جبير، ومع ذلك حسّن إسناده البزّار وصححه الحاكم. وانظر: «الكامل» لابن عدي (٥/ ٣١٦).
  3. (٣) في الأصل: «جاوا»، خطأ.
126

أنت، قال: «فإن العباس مني وأنا منه لا تسبُّوا أمواتَنا فتؤذوا أحياءَنا»، فجاء القوم فقالوا: يا رسول الله، نعوذ بالله من غضبك، استغفر لنا. وترجم عليه: «القود من اللطمة».

وروى النسائي أيضًا حديث أبي سعيد المتقدم١ وقال: بينا رسول الله ﷺ يقسم شيئًا إذ أكبَّ عليه رجل فطعنه رسولُ الله ﷺ بعُرجون كان معه، فصاح الرجل، فقال له رسول الله ﷺ: «تعال فاستَقِد»، فقال الرجل: بل عفوتُ يا رسول الله. وترجم عليه: «القود من الطعنة».

وفي «الصحيحين»٢ عن عائشة قالت: لَدَدْنا رسول الله ﷺ في مرضه فأشار أن لا تَلدُّوني، فقلنا كراهية المريض للدواء، فلما أفاق قال: «لا يبقى أحدٌ منكم إلا لُدَّ وأنا أنظر، إلا العباس فإنه لم يشهد». ومن بعض تراجم البخاري عليه: «باب القصاص بين الرجال والنساء في الجراحات».

وفي الباب حديث أسيد بن حضير أن النبي ﷺ طعنه في خاصرته بعود فقال: أَصْبِرْني فقال: «اصطَبِرْ»، قال: إن عليك قميصًا، وليس عليّ قميص، فرفع النبي ﷺ عن قميصه. فاحتضنه وجعل يقبِّل كَشْحَه، قال: إنما أردت هذا يا رسول الله. رواه أبو داود في كتاب الأدب٣، وسيأتي هناك إن شاء الله تعالى. و«أَصبرني» أي أقدني من نفسك، و«اصطبر» أي استقد، والاصطبار: الاقتصاص، يقال: أصبرته بقتيله: أقدته منه٤.

  1. (١) وهو الحديث الأول في الباب.
  2. (٢) البخاري (٤٤٥٨، ٥٧١٢، ٦٨٨٦، ٦٨٩٧)، ومسلم (٢٢١٣).
  3. (٣) برقم (٥٢٢٤)، وأخرجه أيضًا الحاكم (٣/ ٢٢٨) وقال: صحيح الإسناد.
  4. (٤) انظر: «النهاية في غريب الحديث» (صبر).
127

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي