وذكر النسائي١ من حديث عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة: أن النبي ﷺ بعث أبا جهم بن حذيفة مُصَدِّقًا، فلاحَّه رجل في صدقته فضربه أبو جهم، فأتوا النبي ﷺ فقالوا: القَوَد يا رسول الله، فقال: «لكم كذا وكذا» [فلم يرضوا به، فقال: «لكم كذا وكذا»، فرضوا به]٢، فقال رسول الله ﷺ: «إني خاطب على الناس ومخبرهم برضاكم»، قالوا: نعم، فخطب النبي ﷺ، فقال: «إن هؤلاء أتوني يريدون القَوَد فعرضتُ عليهم كذا وكذا، فرَضُوا»، قالوا: لا، فهمَّ المهاجرون بهم، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يكفوا فكفُّوا، ثم دعاهم فقال: «أرضيتم؟» قالوا: نعم، قال: «فإني خاطب على الناس ومخبرهم برضاكم»، قالوا: نعم، فخطب الناس ثم قال: «أرضيتم؟» قالوا: نعم».
فصل
وقد اختلف الناس في هذه المسألة ــ وهي القصاص في اللطمة والضربة ونحوها مما لا يمكن للمقتص أن يفعل بخصمه مثل ما فعله به من كل وجه، هل يسوغ القصاص في ذلك، أو يعدل إلى عقوبته بجنس آخر، وهو التعزير؟ ــ على قولين:
أصحهما: أنه شرع فيه القصاص، وهو مذهب الخلفاء الراشدين، ثبت
(١) في «المجتبى» (٤٧٧٨) و«الكبرى» (٦٩٥٤)، وأخرجه أيضًا أحمد (٢٥٩٥٨)، وأبو داود (٤٥٣٤)، وابن حبان (٤٤٨٧)، كلهم من طريق عبد الرزاق به، وهو في «المصنف» (١٨٠٣٢).
(٢) ما بين الحاصرتين ساقط من الأصل.
ذلك عنهم، حكاه عنهم أحمد وأبو إسحاق الجوزجاني في «المترجم»١، ونص عليه الإمام أحمد في رواية الشالَنْجي وغيره٢.
قال شيخنا٣: وهو قول جمهور السلف.
والقول الثاني: أنه لا يشرع فيه القصاص، وهو المنقول عن الشافعي ومالك وأبي حنيفة٤، وقول المتأخرين من أصحاب أحمد، حتى حكى بعضهم الإجماع على أنه لا قصاص فيه. وليس كما زعم، بل حكاية إجماع الصحابة على القصاص أقرب من حكاية الإجماع على منعه، فإنه ثبت عن الخلفاء الراشدين، ولا يعلم لهم مخالف فيه.
ومأخذ القولين أن الله تعالى أمر بالعدل في ذلك، فبقي النظر في أي الأمرين أقرب إلى العدل؟ فقال المانعون: المماثلة لا تمكن هنا، فكان العدل يقتضي العدولَ إلى جنس آخر وهو التعزير، فإن القصاص لا يكون إلا مع المماثلة، ولهذا لا يجب في الجرح حتى ينتهي إلى حد، ولا في القطع إلا من مَفْصِل لتُمكن المماثلة، فإذا تعذرت في القطع والجرح صرنا
(١) سبق التعريف به (٢/ ٤٠٩)، وقد نقل منه المؤلف الآثار عن الخلفاء بأسانيدها في «أعلام الموقعين» (٢/ ١١٩ - ١٢٣)، وانظر: «مصنف عبد الرزاق» (١٨٠٤٢)، و«مصنف ابن أبي شيبة» (الديات، باب القود من اللطمة)، و«الأوسط» لابن المنذر (١٣/ ٣٠٥ - ٣٠٧).
(٢) انظر: «الإنصاف» (٢٥/ ٢٤٥ - ٢٤٦).
(٣) في «قاعدة في شمول النصوص للأحكام» ضمن «جامع المسائل» (٢/ ٢٦٠)، وقد أفاد المؤلف منها في مواضع من هذا البحث.