تهذيب السنن

ذلك عنهم، حكاه عنهم أحمد وأبو إسحاق الجوزجاني في «المترجم»١، ونص عليه الإمام أحمد في رواية الشالَنْجي وغيره٢.

قال شيخنا٣: وهو قول جمهور السلف.

والقول الثاني: أنه لا يشرع فيه القصاص، وهو المنقول عن الشافعي ومالك وأبي حنيفة٤، وقول المتأخرين من أصحاب أحمد، حتى حكى بعضهم الإجماع على أنه لا قصاص فيه. وليس كما زعم، بل حكاية إجماع الصحابة على القصاص أقرب من حكاية الإجماع على منعه، فإنه ثبت عن الخلفاء الراشدين، ولا يعلم لهم مخالف فيه.

ومأخذ القولين أن الله تعالى أمر بالعدل في ذلك، فبقي النظر في أي الأمرين أقرب إلى العدل؟ فقال المانعون: المماثلة لا تمكن هنا، فكان العدل يقتضي العدولَ إلى جنس آخر وهو التعزير، فإن القصاص لا يكون إلا مع المماثلة، ولهذا لا يجب في الجرح حتى ينتهي إلى حد، ولا في القطع إلا من مَفْصِل لتُمكن المماثلة، فإذا تعذرت في القطع والجرح صرنا

  1. (١) سبق التعريف به (٢/ ٤٠٩)، وقد نقل منه المؤلف الآثار عن الخلفاء بأسانيدها في «أعلام الموقعين» (٢/ ١١٩ - ١٢٣)، وانظر: «مصنف عبد الرزاق» (١٨٠٤٢)، و«مصنف ابن أبي شيبة» (الديات، باب القود من اللطمة)، و«الأوسط» لابن المنذر (١٣/ ٣٠٥ - ٣٠٧).
  2. (٢) انظر: «الإنصاف» (٢٥/ ٢٤٥ - ٢٤٦).
  3. (٣) في «قاعدة في شمول النصوص للأحكام» ضمن «جامع المسائل» (٢/ ٢٦٠)، وقد أفاد المؤلف منها في مواضع من هذا البحث.
  4. (٤) انظر: «الأم» (٧/ ٢٠٤) و(٩/ ١٤٨)، و«المدونة» (١٦/ ٤٢٩)، و«بدائع الصنائع» (٧/ ٢٩٩).
129

إلى الدية، فكذا في اللطمة ونحوها، لما تعذَّرت صرنا إلى التعزير.

قال المجوزون: القصاص في ذلك أقرب إلى الكتاب والسنة والقياس والعدل من التعزير.

أما الكتاب: فإن الله سبحانه قال: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، وقال: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، ومعلوم أن المماثلة مطلوبة بحسب الإمكان، واللطمة أشد مماثلةً للطمة والضربة للضربة من التعزير لها، فإنه ضَرْب في غير الموضع، غير مماثل لا في الصورة، ولا في المحل، ولا في القدر؛ فأنتم فررتم من تفاوتٍ لا يمكن الاحتراز منه بين اللطمتين، فصرتم إلى أعظمَ تفاوتًا منه، بلا نصٍّ ولا قياس.

قالوا: وأما السنة، فما ذكرنا من الأحاديث في هذا الباب، وقد تقدمت، ولو لم يكن في الباب إلا سنة الخلفاء الراشدين لكفى بها دليلًا وحجة.

قالوا: فالتعزير لا يعتبر فيه جنس الجناية، ولا قدرها، بل قد يعزِّره بالسوط والعصا ويكون إنما ضربه بيده أو رِجله، فكانت العقوبة بحسب الإمكان في ذلك أقرب إلى العدل الذي أنزل الله به كتبه وأرسل به رسله.

قالوا: وقد دل الكتاب والسنة في أكثر من مائة موضع على أن الجزاء من [ق ٢٢٧] جنس العمل في الخير والشر، كما قال تعالى: ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ [النبأ: ٢٦] أي: وَفق أعمالهم، وهذا ثابت شرعًا وقدرًا.

أما الشرع، فلقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ...﴾ إلى قوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]، فأخبر سبحانه أن الجروح

130

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي