قال المانعون: هذا على خلاف القياس، فيصار إليه اتباعًا للصحابة، ولهذا منعه أبو حنيفة وقدَّم القياس عليه، وأوجب القيمة٣.
قال المجوزون: قولكم: إن هذا على خلاف القياس فرع على صحة الدليل الدال على أن المعتبر في ذلك هو القيمة دون النظير، وأنتم لم تذكروا على ذلك دليلًا من كتاب ولا سنة ولا إجماع، حتى يكون قضاء الصحابة بخلافه على خلاف القياس، فأين الدليل؟
قال المانعون: الدليل على اعتبار القيمة في إتلاف الحيوان دون المثل: أن النبي ﷺ ضمَّن مُعتِقَ الشِّقْص إذا كان موسِرًا بقيمته٤، ولم يُضمِّنه نصيبَ الشريك بمثله، فدل على أن الأصل هو القيمة في غير المكيل والموزون.
قال المجوزون: هذا أصل ما بنيتم عليه اعتبارَ القيمة في هذه المسائل وغيرها، ولكنه بناء على غير أساس، فإن هذا ليس مما نحن فيه في شيء، فإن هذا ليس من باب ضمان المتلفات بالقيمة، بل هو من باب تَمَلُّك مال الغير
(١) في الطبعتين: «ببقرة» خلافًا للأصل.
(٢) انظر: «مصنف عبد الرزاق» (المناسك، باب النعامة يقتلها المحرم ــ إلى ــ باب الوبر والظبي)، و«مصنف ابن أبي شيبة» (المناسك، في رجل أصاب صيدًا فأهدى شاة ــ إلى ــ في الرجل إذا أصاب حمار الوحش)، و«تفسير الطبري» (٨/ ٦٨١ وما بعدها).
(٣) انظر: «بدائع الصنائع» (٢/ ١٩٨).
(٤) كما في حديث ابن عمر وأبي هريرة المتفق عليهما: «من أعتق شقصًا له من عبد وكان له ما يبلغ ثمنَه بقيمة العدل فهو عتيق»، وقد سبق.
بالقيمة، كتملك الشقص المشفوع بثمنه، فإن نصيب الشريك يُقدَّرُ دخولُه في مُلك المعتِق ثم يَعتِق عليه بعد ذلك، والقائلون بالسراية متفقون على أنه يَعتِق كلُّه على مُلك المعتِق، والولاء له دون الشريك. واختلفوا: هل يسري العتق عقب إعتاقه، أو لا يَعتِق حتى يؤدي الثمن؟ على قولين للشافعي١، وهما في مذهب أحمد٢. قال شيخنا٣: والصحيح أنه لا يَعتِق إلا بالأداء.
وعلى هذا ينبني إذا أعتق الشريكُ نصيبه بعد عِتق الأول وقبل وزن القيمة، فعلى الأول: لا يَعتِق عليه، وعلى الثاني: يعتق عليه، ويكون الولاء بينهما.
وعلى هذا أيضًا ينبني إذا قال أحدهما: إذا أعتقتَ نصيبك فنصيبي حر، فعلى القول الأول لا يصح هذا التعليق، ويَعتِق كله من٤ مال المعتق، وعلى القول الثاني يصح التعليق، ويعتق نصيب الشريك من ماله.
فظهر أن استدلالكم بالعتق استدلال باطل، بل إنما يكون إتلافًا إذا قتله، فلو ثبت لكم بالنص أنه ضمّن قاتل العبد بالقيمة دون المثل كان حجةً، وأنى لكم بذلك!
قالوا: وأيضًا فالفرق٥ بين أن يكون المتلَف عينًا كاملة أو بعض عين،
(١) انظر: «البيان» للعَمراني (٨/ ٣٢٤ - ٣٢٥).
(٢) انظر: «الإنصاف» (١٩/ ٣٠ - ٣١).
(٣) «قاعدة في شمول النصوص للأحكام» (٢/ ٢٦٤ - جامع المسائل).
(٤) في الطبعتين: «في» خلافًا للأصل.
(٥) كذا في الأصل، وفي «القاعدة» لشيخ الإسلام: «فإنه يفرّق»، وأصلحه الفقي بزيادة «واضح» بعده!