تهذيب السنن

أحدها: أن الواجب القيمة في غير المكيل والموزون.

والثاني: الواجب المثل في الجميع.

والثالث: الواجب المثل في غير الحيوان، ونص عليه أحمد في الثوب والقصعة ونحوهما. ونصَّ عليه الشافعي١ في الجدار المهدوم ظلمًا يُعاد مثله.

وأَقْوَل الناس بالقيمة أبو حنيفة، ومع هذا فعنده إذا أتلف ثوبًا ثبت في ذمته مثله لا قيمته٢، ولهذا يُجَوِّزُ الصلحَ عنه بأكثر من قيمته، ولو كان الثابت في الذمةِ القيمةَ لما جاز الصلح عنها بأكثر منها.

فظهر أن من لم يعتبر المثل فلا بد مِن تناقضه أو مناقضته للنص الصريح، وهذا ما لا مخلص منه.

وأصل هذا كله: هو الحكومة التي حكم فيها داود وسليمان وقصها الله علينا في كتابه٣، وكانت في الحرث ــ وهو البستان، وقيل: إنه كان أشجار عنب ــ، فنفشت فيه الغنم ــ والنفش إنما يكون ليلًا ــ، فقضى داود لأصحاب البستان بالغنم، لأنه اعتبر قيمة ما أفسدته، فوجده يساوي الغنم فأعطاهم

  1. (١) انظر: «روضة الطالبين» (٤/ ٢١٥).
  2. (٢) لم أجده في كتب المذهب.
  3. (٣) قال تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ ٧٨ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٨ - ٧٩]. والمؤلف صادر عن «قاعدة شمول النصوص للأحكام» لشيخ الإسلام (٢/ ٢٦٦ وما بعدها - جامع المسائل).
136

إياها. وأما سليمان فقضى على أصحاب الغنم بالمثل، وهو أن يَعمُروا البستان كما كان، ثم رأى أن مُغَلَّه إلى حين عوده يفوت عليهم، ورأى أن مُغَلَّ الغنم يساويه، فأعطاهم الغنم يستغلونها حتى يعود بستانهم كما كان، فإذا عاد ردوا إليهم غنمهم١.

فاختلف العلماء في مثل هذه القضية على أربعة أقوال:

أحدها: القول بالحكم السليماني في أصل الضمان وكيفيته، وهو أصح الأقوال وأشدُّها مطابقةً لأصول الشرع والقياس، كما قد بينا في كتاب مفرد في الاجتهاد٢. وهذا أحد القولين في مذهب أحمد، نص عليه في غير موضع، ويُذكر وجهًا في مذهب مالك والشافعي.

والثاني: موافقته في النفش دون المثل، وهذا المشهور من مذهب الشافعي ومالك وأحمد.

والثالث: عكسه، وهو موافقته في المثل دون النفش، وهو قول داود وغيره٣، فإنهم يقولون: إذا أتلف البستان بتفريطه ضمنه بمثله، وأما إذا انفلتت الغنم ليلًا لم يضمن صاحبها ما أتلفته.

والرابع: أن النفش لا يوجب الضمان، ولو أوجبه لم يكن بالمثل بل

  1. (١) بنحوه فسّره ابن عباس، ومُرَّة الهمداني (وروي عنه عن ابن مسعود ولا يصحّ)، وشريح القاضي، ومجاهد، وقتادة، والزهري، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم. انظر: «تفسير الطبري» (١٦/ ٣٢٠ - ٣٢٧).
  2. (٢) وقد أحال عليه أيضًا في «مفتاح دار السعادة» (١/ ١٥٥). ولعله أفرده بالتأليف أوّلًا ثم ضمّنه في كتابه الحافل «أعلام الموقعين». انظر مقدمة تحقيقه (ص ٢٧ - ٢٨).
  3. (٣) انظر «المحلى» (٨/ ١٤٠، ١٤٦، ١١/ ٤ - ٥).
137

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي