تهذيب السنن

ومراد البيهقي بقولِ١: «إن ما في حديث ابن مسعود أقل مما حكاه الشافعي عن بعض التابعين، والأخذ به أولى» = أن الشافعي قال في رواية الربيع٢: «وإذا قال رسول الله ﷺ في قتل عمد الخطأ: «مغلظة، منها أربعون خَلِفة في بطونها أولادها»٣، ففي ذلك دليل على أن دية الخطأ الذي لا يخلطه عمد مخالِفة لهذه الدية، وقد اختلف الناس فيها، فأُلزِمُ القاتلَ مائةً من الإبل بالسُّنَّة، ثم ما لم يختلفوا فيه، فلا ألزمه من أسنان الإبل إلا أقلَّ ما قالوا يلزمه، لأن اسم الإبل يلزم الصغار والكبار، فدية الخطأ أخماس: عشرون ابنة مخاض، [ق ٢٣٠] وعشرون ابنة لبون، وعشرون بني لبون ذكور، وعشرون حِقَّة، وعشرون جَذَعة.

أخبرنا مالك٤ عن ابن شهاب وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وبلغه عن سليمان بن يسار، أنهم كانوا يقولون ذلك».

فهذا الذي ألزمه البيهقي لأجله أن يقول بما قاله ابن مسعود= لوجهين، أحدهما: أنه أقل مما قاله هؤلاء، والثاني: أنه قول صحابي من فقهاء

  1. (١) كذا في الأصل، وهو صحيح، أي: بقولِ هذا المقال.
  2. (٢) «الأم» (٧/ ٢٧٨).
  3. (٣) أخرجه أحمد (٤٥٨٣، ٦٥٣٣، ١٥٣٨٨)، وأبو داود (٤٥٨٨)، والنسائي (٤٧٩١ - ٤٨٠٠)، وابن حبان (٦٠١١)، على أوجه مختلفة في إسناده، واختلف أئمة العلل في الأصح منها، على أن الحديث قد قواه ابن خزيمة في قصة له مع المزني، وصححه ابن حبان وابن القطان وقال: «ولا يضره الخلاف». انظر: «العلل» لابن أبي حاتم (١٣٨٩)، وللدارقطني (٢٨٧٤)، و«السنن الكبرى» للبيهقي (٨/ ٤٤ - ٤٥)، و«بيان الوهم» (٥/ ٤٠٩ - ٤١٠)، و«البدر المنير» (٨/ ٣٥٥ - ٣٦٠).
  4. (٤) وهو في «الموطأ» (٢٤٦٧).
146

الصحابة، فالأخذ به أولى من قول التابعين.

وأما تعليله بما ذكر فضعيف، فإنه قد روي من وجوه متعددة عن ابن مسعود، إذا جُمِع بعضُها إلى بعض قوي مجموعُها على دفع العلة التي عُلِّل بها. وقد ثبت عن إبراهيم أنه قال: إذا قلتُ: قال عبد الله، فهو ما حدثني به جماعة عنه، وإذا قلت: حدثني فلان عن عبد الله، فهو الذي سميت١. وأبو عبيدة شديد العناية بحديث أبيه وفتاويه، وعنده من ذلك من العلم ما ليس عند غيره٢. وأبو إسحاق وإن لم يسمع من علقمة، فإمامته وجلالته وعدم شهرته بالتدليس٣ تمنع أن يكون سمعه من غير ثقة فيعَدَّ إسقاطُه تدليسًا للحديث.

وبعد، ففي المسألة مذهبان آخران:

أحدهما: أنها خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة، وخمس وعشرون بنت لبون؛ أرباعًا. حكاه الشافعي٤ فيما بلغه عن ابن مهدي عن سفيان، عن أبي إسحاق، [عن

  1. (١) أسنده ابن سعد في «الطبقات» (٨/ ٣٩٠)، والترمذي في «العلل الصغير» (١/ ٢٧٧ - شرح ابن رجب)، ويعقوب بن سفيان في «المعرفة والتأريخ» (٢/ ٦٠٩) بإسناد صحيح إلى إبراهيم.
  2. (٢) انظر: «شرح علل الترمذي» (١/ ٢٩٨)، و«مجموع الفتاوى» (٦/ ٤٠٤).
  3. (٣) وهذا لا يعني أنه لم يكن يدلس قط، بل كما قال البيهقي: «ربّما دلس». «السنن الكبرى» (١/ ٢٠٢). وانظر: «ذكر المدلسين» للنسائي (ص ١٢٢)، و«المجروحين» (١/ ٨٦)، و«تعريف أهل التقديس» (المرتبة الثانية).
  4. (٤) في «الأم» (٨/ ٤٤٤)، وعنه البيهقي في «المعرفة» (١٢/ ١٠٢). وأخرجه أبو داود (٤٥٥٣)، والدارقطني (٣٣٧٤) من طريقين آخرين عن سفيان به.
147

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي