قال ابن القيم ﵀: هذا الحديث صحيح إلى عمرو بن شعيب، والجمهور يحتجون به، وقد احتج به الشافعي في غير موضع، واحتج به الأئمة كلهم في الديات.
قال الشافعي١: قضى عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان في دية اليهودي والنصراني بثلث دية المسلم، وقضى عمر في دية المجوسي بثمانمائة درهم، ولم نعلم أن أحدًا قال في دياتهم٢ أقل من هذا، وقد قيل: إن دياتهم أكثر من هذا؛ فألزمنا قاتل كلِّ واحدٍ من هؤلاء الأقل مما أُجمِعَ عليه.
قال البيهقي٣: حديث عمرو بن شعيب قد رواه حسين المعلم عن عمرو عن أبيه عن جده، قال: كانت قيمة الدية على عهد رسول الله ﷺ ثمانمائة دينار= ثمانية آلاف درهم، ودية أهل الكتاب يومئذ النصف من دية المسلمين. قال: فكان ذلك حتى استخلف عمر فذكر خطبته في رفع الدية حين٤ غلت الإبل. قال: وترك دية أهل الذمة لم يرفعها فيما رفع من الدية.
قال: فسببه ــ والله أعلم ــ أن يكون قوله: «على النصف من دية المسلمين» راجعًا إلى ثمانية آلاف درهم، فتكون ديتهم في روايته في عهد النبي ﷺ أربعةَ آلاف درهم، ثم لم يرفعها عمر فيما رفع من الدية، فكأنه علم
(١) «الأم» (٧/ ٢٥٩)، وعنه البيهقي في «المعرفة» (١٢/ ١٤٢).
(٢) ط. الفقي: «حياتهم»، تحريف.
(٣) «المعرفة» (١٢/ ١٤٦ - ١٤٧)، وأخرج الحديث أبو داود (٤٥٤٢)، والبيهقي في «الكبرى» (٨/ ١٠١).
(٤) في الأصل: «حتى»، تصحيف.
أنها في أهل الكتاب توقيف، وفي أهل الإسلام تقويم.
قال: والذي يؤكد ما قلنا حديثُ جعفر بن عون عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده١: أن النبي ﷺ فرض على كل مسلم قتل رجلًا من أهل الكتاب أربعة آلاف٢.
وليس في شيء من هذا ما يوجب ترك القول بحديث عمرو بن شعيب. أما المأخذ الأول، وهو الأخذ بأقل ما قيل، فالشافعي ﵀ كثيرًا ما يعتمده، لأنه هو المجمع عليه، ولكن إنما يكون دليلًا عند انتفاء ما هو أولى منه، وهنا النص أولى بالاتباع.
وأما المأخذ الثاني فضعيف جدًّا، فإن حديث ابن جريج وحسين المعلّم وغيرهما عن عمرو صريحةٌ في التنصيف، فأحدهما قال: «نصف دية المسلم»، والآخر قال: «أربعة آلاف» مع قوله: «كانت دية المسلم ثمانية آلاف»؛ فالروايتان صريحتان في أن تنصيفها توقيف وسنة من رسول الله ﷺ، فكيف يترك ذلك باجتهاد عمر ﵁ في رفع دية المسلم؟
ثم إن عمر لم يرفع الدية في القدر، وإنما رفع قيمة الإبل لما غلت، فهو ﵁ رأى أن الإبل هي الأصل في الدية، فلما غلت ارتفعت قيمتها، فزاد مقدار الدية من الورِق زيادةَ تقويمٍ لا زيادةَ قدرٍ في أصل الدية.
(١) كذا في الأصل: «عن أبيه عن جدّه»، والظاهر أنه وهم أو سبق قلم بسلوك الجادّة، فإن الحديث في «معرفة السنن» وغيره من المصادر: عن عمرو بن شعيب عن النبي ﷺ مرسلًا.
(٢) وأخرجه أيضًا عبد الرزاق (١٨٤٧٤)، والدارقطني (٣٢٨٦)، والبيهقي في «الكبرى» (٨/ ١٠١)، كلهم عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب مرسلًا.