قال: والذي يؤكد ما قلنا حديثُ جعفر بن عون عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده١: أن النبي ﷺ فرض على كل مسلم قتل رجلًا من أهل الكتاب أربعة آلاف٢.
وليس في شيء من هذا ما يوجب ترك القول بحديث عمرو بن شعيب. أما المأخذ الأول، وهو الأخذ بأقل ما قيل، فالشافعي ﵀ كثيرًا ما يعتمده، لأنه هو المجمع عليه، ولكن إنما يكون دليلًا عند انتفاء ما هو أولى منه، وهنا النص أولى بالاتباع.
وأما المأخذ الثاني فضعيف جدًّا، فإن حديث ابن جريج وحسين المعلّم وغيرهما عن عمرو صريحةٌ في التنصيف، فأحدهما قال: «نصف دية المسلم»، والآخر قال: «أربعة آلاف» مع قوله: «كانت دية المسلم ثمانية آلاف»؛ فالروايتان صريحتان في أن تنصيفها توقيف وسنة من رسول الله ﷺ، فكيف يترك ذلك باجتهاد عمر ﵁ في رفع دية المسلم؟
ثم إن عمر لم يرفع الدية في القدر، وإنما رفع قيمة الإبل لما غلت، فهو ﵁ رأى أن الإبل هي الأصل في الدية، فلما غلت ارتفعت قيمتها، فزاد مقدار الدية من الورِق زيادةَ تقويمٍ لا زيادةَ قدرٍ في أصل الدية.
(١) كذا في الأصل: «عن أبيه عن جدّه»، والظاهر أنه وهم أو سبق قلم بسلوك الجادّة، فإن الحديث في «معرفة السنن» وغيره من المصادر: عن عمرو بن شعيب عن النبي ﷺ مرسلًا.
(٢) وأخرجه أيضًا عبد الرزاق (١٨٤٧٤)، والدارقطني (٣٢٨٦)، والبيهقي في «الكبرى» (٨/ ١٠١)، كلهم عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب مرسلًا.
ومعلوم أن هذا لا يبطل تنصيف دية الكافر على دية المسلم، بل أقرها أربعة آلاف كما كانت في عهد النبي ﷺ، وكانت الأربعة آلاف حينئذ هي نصف الدية.
وقوله١: «علم أنها في أهل الكتاب توقيف»، فهو توقيفُ تنصيفٍ كما صرَّحت به الرواية، فعُمَر أداه اجتهاده إلى ترك الأربعة الآلاف كما كانت، فصارت ثلثًا برفعِه ديةَ المسلم لا بالنص والتوقيف. وهذا ظاهر جدًّا، والحجة إنما هي في النص.
واختلف الفقهاء في هذه المسألة، فقال الشافعي٢: دية الكتابي على الثلث من دية المسلم في الخطأ والعمد.
وقال أبو حنيفة٣: ديته مثل دية المسلم في العمد والخطأ.
وقال مالك٤: ديته نصف دية المسلم في العمد [ق ٢٣١] والخطأ.
وقال أحمد٥: إن قتله عمدًا فديته مثل دية المسلم، وإن قتله خطأ فعنه فيه روايتان، إحداهما: أنها النصف ــ وهي الرواية الصحيحة في مذهبه ــ، والثانية: أنها الثلث. وإن قتله من هو على دينه عمدًا، فعنه فيه أيضًا روايتان، إحداهما: أنها نصف دية المسلم، والثانية: ثلثها.