تهذيب السنن

فقوله: "مسح على نعليه" كقوله: "مسح على خُفّيه". والنعلُ لا تكون ساترة لمحلّ المسح إلا إذا كان عليها جَورب، فلعلَّه مسَحَ على نعل الجورب فقال: "مسح على نعليه".

المسلك السادس: أن الرِّجْل لها ثلاثة أحوال:

حالٌ تكون في الخفِّ، فيجزي مسح ساترها.

وحالٌ تكون حافية، فيجب غَسلها. فهاتان مرتبتان، وهما: كشفها وسترها. ففي حال كشفها لها أعلى مراتب الطهارة، وهي الغَسل التامّ، وفي حال استتارها لها أدناها، وهي المسح على الحائل.

ولها حالة ثالثة، وهي حالما تكون في النَّعْل، وهي حالة متوسِّطة بين كشفها وبين استتارها بالخفّ، فأُعْطيت حالة متوسّطة من الطهارة، وهي الرشّ، فإنه بين الغسل والمسح. وحيث أطلق لفظ "المسح" عليها في هذه الحال فالمراد به الرَّش؛ لأنه جاء مفسّرًا في الرواية الأخرى. وهذا مذهب ــ كما ترى١ ــ لو كان يُعلَم به قائل معيَّن، ولكن يُحْكَى عن طائفة لا أعلم منهم مُعيَّنًا.

وبالجملة فهو خير مِن مسلك الشيعة في هذا الحديث، وهو:

المسلك السابع: أنه دليل على أن فَرْض الرجلين المسح، وحُكِي عن داود الجواربي٢ وابن عباس. وحُكِي عن ابن جرير أنه مخيَّر بين الأمرين،

  1. (١) يعني: كما ترى قوَّةً ووجاهة لو كان يُعلم من قال به على وجه التعيين.
  2. (٢) رسمه في الأصل: "الحواري" مهملًا، وفي الطبعتين: "الجواري"، والصواب ما أثبت. قال الذهبي: رأس في الرفض والتجسيم. ترجمته في "الميزان": (٢/ ٢٣)، و"لسان الميزان": (٣/ ٤١٤).
93

فأمَّا حكايته عن ابن عباس فقد تقدمت، وأما حكايته عن ابن جرير فغلطٌ بَيِّن، وهذه كتبه وتفسيره كلّه يكذِّب هذا النقل عليه، وإنما دخلت الشبهةُ لأن ابنَ جرير القائل بهذه المقالة رجل آخر من الشِّيعَة، يوافقه في اسمه واسم أبيه١، وقد رأيتُ له مؤلفات في أصول مذهب الشيعة وفروعهم.

فهذه سبعة مسالكَ للناس في هذا الحديث. وبالجملة فالذين رووا وضوء النبي ﷺ، مثل عثمان بن عفان، وأبي هريرة، وعبد الله بن زيد بن عاصم، وجابر بن عبد الله، والمغيرة بن شعبة، والرُبَيِّع بنت مُعَوِّذ، والمقدام بن معديكَرِب، ومعاوية بن أبي سفيان، وجدّ طلحة بن مصرِّف، وأنس بن مالك، وأبي أمامة الباهلي، وغيرهم لم يذكر أحدٌ منهم ما ذُكِرَ في حديث عليّ وابن عباس، مع الاختلاف المذكور عليهما. والله أعلم.

١٣/ ١١٩ - وعن طلحة بن مُصَرّف، عن أبيه، عن جده ــ وجده هو كعب بن عمرو، ويقال: عمرو بن كعب الهَمْداني اليَاميُّ، له صحبة، ومنهم من ينكرها ــ قال: "رأيت رسول الله ﷺ يمسح رأسه مرة واحدة، حتى بلغ القَذَال، وهو أول القفا".

وقال مسدَّد: "مسح رأسه مِن مُقَدَّمه إلى مُؤَخَّره، حتى أخرج يديه من تحت أذنيه". قال مسدد: فحدَّثتُ به يحيى، فأنكره.

قال أبو داود: سمعت أحمد يقول: ابن عيينة ــ زعموا ــ كان ينكره، ويقول: أيشٍ هذا: طلحة، عن أبيه، عن جده؟

  1. (١) هو محمد بن جرير بن رستم الطبري. ترجمته في "الميزان": (٣/ ٤٩٩)، و"لسان الميزان": (٧/ ٢٩).
94

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي