تهذيب السنن

والذي صحّ عن النبي ﷺ ذمهم من طوائف أهل البدع: الخوارج، فإنه قد ثبت فيهم الحديث من وجوه كلها صحاح، لأن مقالتهم حدثت في زمن النبي ﷺ وكلَّمَه رئيسُهم١.

وأما الإرجاء، والرفض، والقدر، والتجهم، والحلول، وغيرها من البدع، فإنها حدثت بعد انقراض عصر الصحابة٢.

وبدعة القدر أدركت آخر عصر الصحابة فأنكرها من كان منهم حيًّا، كعبد الله بن عمر، وابن عباس، وأمثالهما٣. وأكثر ما يجيء من ذمهم فإنما هو موقوف على الصحابة قولهم فيه.

ثم حدثت بدعة الإرجاء بعد انقراض عصر الصحابة فتكلم فيها كبار

  1. (١) هو ذو الخويصرة التميمي الذي قال للنبي ﷺ وهو يقسم مالًا: اتَّقِ الله واعدِلْ! أخرجه البخاري (٣٣٤٤، ٣٦١٠، ٤٣٥١، ٦١٦٣) ومسلم (١٠٦٤) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
  2. (٢) كذا، ولعله سبق قلم، والصواب: «عصر النبي ﷺ»، إذ سيأتي أن بدعة القدر أدركت عصر الصحابة.
  3. (٣) أخرجه عن ابن عباس وابن عمر: عبد الله في «السنة» (٨٩٨ - ٩٠٣)، وابن بطة في «الإبانة الكبرى» (١٧٢٠ - ١٧٦٢) من وجوه صحاح وحسان، وأما عن غيرهما فأخرجه ابن بطة (١٧٦٣ - ١٧٦٩) عن عبد الله بن عمرو، وشداد بن أوس، وأبي سعيد الخدري، وفي أسانيدها مقال.
190

التابعين الذين أدركوها كما حكيناه عنهم.

ثم حدثت بدعة التجهُّم بعد انقراض عصر التابعين، واستفحل أمرها، واستطار شَرارها في زمن الأئمة كالإمام أحمد وذويه.

ثم حدثت بعد ذلك بدعة الحلول، وظهر أمرها في زمن الحلّاج١.

وكلما ظهرت٢ بدعة من هذه البدع وغيرها أقام الله لها مِن حزبه وجنده من يردها ويُحذِّر المسلمين منها نصيحةً لله ولكتابه ولرسوله [ق ٢٣٧] ولأهل الإسلام، وجعله ميزانًا ومحكًّا يعرف به حزب رسول الله ﷺ وولي سُنّته مِن حزب البدعة وناصرها. وقد جاء في أثر لا يحضرني إسناده: «إن لله عند كل بدعة يُكاد بها الإسلام وليًّا ينطق بعلاماته، فاغتنموا تلك المجالس، وتوكلوا على الله، فإن الرحمة تنزل عليهم»٣.

  1. (١) وذلك في المائة الرابعة، فإن الحسين بن منصور الحلّاج قُتِل على الزندقة سنة ٣٠٩. انظر: «تاريخ بغداد» (٨/ ٦٨٨ - ٧٢٠)، و«السِّيَر» (١٤/ ٣١٣ - ٣٥٤)، و«لسان الميزان» (٣/ ٢١١ - ٢١٢).
  2. (٢) ط. الفقي: «أظهر الشيطان» خلافًا للأصل.
  3. (٣) أخرجه العقيلي في «الضعفاء» (٤/ ٣٢)، وأبو نعيم في «الحلية» (١٠/ ٤٠٠)، والهروي في «ذم الكلام» (٦٧٥)، كلهم من طريق أبي الصلت عبد السلام بن صالح، عن عباد بن العوام، عن عبد الغفّار المدني، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة مرفوعًا بنحوه. لا يصح عن النبي ﷺ، عبد السلام بن صالح ضعيف له مناكير، وعبد الغفّار المدني مجهول إلا إذا كان هو ابن القاسم الأنصاري المتّهم بالوضع. انظر: «ميزان الاعتدال» (٢/ ٦٤٠)، و«الضعيفة» (٨٦٩).
    وأخرجه ابن وضاح القرطبي في «البدع والنهي عنها» (ص ٤) عن ابن مسعود موقوفًا عليه، وإسناده منقطع معضل.
191

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي