ثم حدثت بدعة التجهُّم بعد انقراض عصر التابعين، واستفحل أمرها، واستطار شَرارها في زمن الأئمة كالإمام أحمد وذويه.
ثم حدثت بعد ذلك بدعة الحلول، وظهر أمرها في زمن الحلّاج١.
وكلما ظهرت٢ بدعة من هذه البدع وغيرها أقام الله لها مِن حزبه وجنده من يردها ويُحذِّر المسلمين منها نصيحةً لله ولكتابه ولرسوله [ق ٢٣٧] ولأهل الإسلام، وجعله ميزانًا ومحكًّا يعرف به حزب رسول الله ﷺ وولي سُنّته مِن حزب البدعة وناصرها. وقد جاء في أثر لا يحضرني إسناده: «إن لله عند كل بدعة يُكاد بها الإسلام وليًّا ينطق بعلاماته، فاغتنموا تلك المجالس، وتوكلوا على الله، فإن الرحمة تنزل عليهم»٣.
(١) وذلك في المائة الرابعة، فإن الحسين بن منصور الحلّاج قُتِل على الزندقة سنة ٣٠٩. انظر: «تاريخ بغداد» (٨/ ٦٨٨ - ٧٢٠)، و«السِّيَر» (١٤/ ٣١٣ - ٣٥٤)، و«لسان الميزان» (٣/ ٢١١ - ٢١٢).
(٢) ط. الفقي: «أظهر الشيطان» خلافًا للأصل.
(٣) أخرجه العقيلي في «الضعفاء» (٤/ ٣٢)، وأبو نعيم في «الحلية» (١٠/ ٤٠٠)، والهروي في «ذم الكلام» (٦٧٥)، كلهم من طريق أبي الصلت عبد السلام بن صالح، عن عباد بن العوام، عن عبد الغفّار المدني، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة مرفوعًا بنحوه. لا يصح عن النبي ﷺ، عبد السلام بن صالح ضعيف له مناكير، وعبد الغفّار المدني مجهول إلا إذا كان هو ابن القاسم الأنصاري المتّهم بالوضع. انظر: «ميزان الاعتدال» (٢/ ٦٤٠)، و«الضعيفة» (٨٦٩). وأخرجه ابن وضاح القرطبي في «البدع والنهي عنها» (ص ٤) عن ابن مسعود موقوفًا عليه، وإسناده منقطع معضل.
نسأل الله تعالى أن يجعلنا منهم، وأن يُلحِقنا بهم، وأن يجعلنا لهم خلفًا، كما جعلهم لنا سلفًا، بمنه وكرمه.
٥٥٦/ ٤٥٣٠ - وعن يحيى بن يَعْمَر قال: كان أولَ من تكلَّم في القدر بالبصرة مَعبدٌ الجُهَنيُّ، فانطلقت أنا وحُميد بن عبد الرحمن الحِمْيَري حاجَّيْن أو مُعْتَمرين، فقلنا: لو لَقِينا أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ فسألناهُ عَمَّا يقول هؤلاء في القدر؟ فوفَّقَ الله لنا عبد الله بن عمر داخلًا في المسجد، فاكْتَنَفْتُه أنا وصاحبي، فظننتُ أنَّ صاحبي سَيَكِلُ الكلامَ إليَّ، فقلت: أبا عبد الرحمن، إنه قد ظَهَر قِبَلَنا ناسٌ يقرأون القرآن ويتقَفَّرون العلم١، يزعمون أن لا قَدَر والأمرَ أنُفٌ، فقال: إذا لقيتَ أولئك فأخبرهم أنِّي بَريءٌ منهم، وهم بُرآءُ مِنِّي، والذي يَحْلِف به عبد الله بن عمر لو أنَّ لأحَدِهم مثلَ أحُدٍ ذهبًا فأنفقه ما قَبِلَهُ الله منه حتى يُؤمن بالقدَرِ، ثم قال: حَدَّثني عمر بن الخطاب، قال: بَيْنا نحنُ عند رسول الله ﷺ إذ طَلَع علينا رجلٌ شديدُ بياضِ الثيابِ شديدُ سوادِ الشَّعَر، لا يُرَى عليه أثَرُ السَّفر ولا يَعرفُه منا أحدٌ، حتى جلس إلى النبي ﷺ فأسْنَدَ رُكبتيه إلى رُكبتيه ووضع كَفّيه على فَخِذَيه، وقال: يا محمد، أخبرني عن الإسلام، قال رسول الله ﷺ: «الإسلام: أن تشهدَ أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وتقيمَ الصلاة، وتؤتيَ الزكاةَ، وتصومَ رمضان، وتَحُجَّ البيتَ إن استطعتَ إليه سبيلًا».
قال: صدقتَ، قال: فَعجِبنا له يسألُه ويُصَدِّقه، قال: فأخبرني عن الإيمان، قال: «أن تؤمنَ بالله وملائكته
(١) «يتقفّرون» هكذا في مطبوعة «المختصر» ومخطوطته بتقديم القاف، أي يطلبون العلم ويتتبعونه، يقال: «قفر الأثر، واقتفره، وتقفّره» إذا اقتفاه وتتبّعه. وفي بعض نسخ «السنن» و«صحيح مسلم»: «يتفقّرون» بتقديم الفاء، أي يتعمّقون فيه ويستخرجون غامضه، مِن قولهم: «فَقَر البئرَ» إذا حفرها لاستخراج مائها، و«الفُقرة»: الحفرة في الأرض. انظر: «شرح مسلم» للنووي (١/ ١٥٥)، و«عون المعبود» (١٢/ ٣٠١)، و«تاج العروس» (قفر، فقر).