تهذيب السنن

سوِيّ، ثم يقول: يا رب، ما رزقه؟ ما أجله؟ ما خلقه؟ ثم يجعله [اللهُ] شقيًا أو سعيدًا».

وفي لفظ آخر١: «أن ملكًا موكلًا بالرحم إذا أراد الله أن يخلُقَ شيئًا بإذن الله لبضع وأربعين ليلة» ثم ذكر نحوه.

فدل حديث حذيفة على أن الكتابة المذكورة وقت تصويره وخَلْقِ جلده ولحمه وعظمه، وهذا مطابق لحديث ابن مسعود، فإن هذا التخليق هو في الطور الرابع، وفيه وقعت الكتابة.

فإن قيل: فما تصنع بالتوقيت فيه بأربعين ليلة؟

قلت: التوقيت فيه بيان أنها قبل ذلك لا يتعرّض لها، ولا يتعلّق بها تخليق ولا كتابة، فإذا بلغت الوقت المحدود وجاوزت الأربعين وقعت في أطوار التخليق طبقًا بعد طبق، ووقع حينئذ التقدير والكتابة، وحديث ابن مسعود صريح بأن وقوع ذلك بعد كونه مضغةً بعد الأربعين الثالثة، وحديث حذيفة فيه أن ذلك بعد الأربعين، ولم يُوقِّت البَعْديّة بل أطلقها، ووقّتها في حديث ابن مسعود. وقد ذكرنا أن حديث حذيفة دال أيضًا على ذلك.

ويحتمل وجهًا آخر: وهو أن تكون الأربعون المذكورة في حديث [ق ٢٣٨] حذيفة هي الأربعين الثالثة، وسمّي الحملُ فيها نطفة، إذ هي مبدؤه الأول. وفيه بعد، وألفاظ الحديث تأباه.

ويحتمل وجهًا آخر: وهو أن التقدير والكتابة تقديران وكتابتان، فالأول منهما عند ابتداء تعلق التحويل والتخليق في النطفة وهو إذا مضى عليها

  1. (١) بالرقم السابق.
198

أربعون، ودخلت في طور العَلَقة، وهذا أول تخليقه. والتقدير الثاني والكتابة الثانية: إذا كَمُل تصويره وتخليقه، وتقدير أعضائه، وكونه ذكرًا أو أنثى في الخارج، فيُكتَب مع ذلك عَمَلُه ورزقه وأجله، وشقاوته وسعادته.

فلا تنافي بين الحديثين، والحمد لله رب العالمين، ويكون التقدير الأول تقديرًا لما يكون للنطفة بعد الأربعين، فيقدر معه السعادة والشقاوة، والرزق والعمل، والتقدير الثاني تقديرٌ١ لما يكون للجنين بعد تصويره، فيقدّر معه ذلك ويكتب أيضًا، وهذا التقدير أخص من الأول٢.

ونظير هذا: أن الله سبحانه قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، ثم يقدر ليلة القدر ما يكون من العام لمثله، وهذا أخص من التقدير العام، كما أن تقدير أمر النطفة وشأنِها يقع بعد تعلقها بالرحم، وقد قدّر أمرها قبل خلق السموات والأرض.

ونظير هذا: رفع الأعمال وعرضها على الله تعالى، فإن عمل العام يرفع في شعبان كما أخبر به الصادق المصدوق أنه: «شهر ترفع فيه الأعمال، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم»٣، ويُعرَض عمل الأسبوع يوم الاثنين والخميس كما ثبت ذلك في «صحيح مسلم»٤، وعمل اليوم يُرفَع في آخره

  1. (١) كذا في الأصل، وفي الطبعتين بالنصب.
  2. (٢) ذكر المؤلف هذا المعنى أيضًا في «طريق الهجرتين» (١/ ١٥٦ - ١٥٨)، و«شفاء العليل» (١/ ٢٦٢ - ٢٦٣) ط. الصميعي.
  3. (٣) أخرجه أحمد (٢١٧٥٣)، والنسائي (٢٣٥٧)، وابن أبي شيبة (٩٨٥٨) من حديث أسامة بن زيد. حسَّن إسناده البوصيري في «إتحاف الخيرة المهرة» (٣/ ٨٤)، واختاره الضياء (٤/ ١٠٨ - ١٠٩).
  4. (٤) برقم (٢٥٦٥/ ٣٦) من حديث أبي هريرة.
199

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي