تهذيب السنن

أربعون، ودخلت في طور العَلَقة، وهذا أول تخليقه. والتقدير الثاني والكتابة الثانية: إذا كَمُل تصويره وتخليقه، وتقدير أعضائه، وكونه ذكرًا أو أنثى في الخارج، فيُكتَب مع ذلك عَمَلُه ورزقه وأجله، وشقاوته وسعادته.

فلا تنافي بين الحديثين، والحمد لله رب العالمين، ويكون التقدير الأول تقديرًا لما يكون للنطفة بعد الأربعين، فيقدر معه السعادة والشقاوة، والرزق والعمل، والتقدير الثاني تقديرٌ١ لما يكون للجنين بعد تصويره، فيقدّر معه ذلك ويكتب أيضًا، وهذا التقدير أخص من الأول٢.

ونظير هذا: أن الله سبحانه قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، ثم يقدر ليلة القدر ما يكون من العام لمثله، وهذا أخص من التقدير العام، كما أن تقدير أمر النطفة وشأنِها يقع بعد تعلقها بالرحم، وقد قدّر أمرها قبل خلق السموات والأرض.

ونظير هذا: رفع الأعمال وعرضها على الله تعالى، فإن عمل العام يرفع في شعبان كما أخبر به الصادق المصدوق أنه: «شهر ترفع فيه الأعمال، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم»٣، ويُعرَض عمل الأسبوع يوم الاثنين والخميس كما ثبت ذلك في «صحيح مسلم»٤، وعمل اليوم يُرفَع في آخره

  1. (١) كذا في الأصل، وفي الطبعتين بالنصب.
  2. (٢) ذكر المؤلف هذا المعنى أيضًا في «طريق الهجرتين» (١/ ١٥٦ - ١٥٨)، و«شفاء العليل» (١/ ٢٦٢ - ٢٦٣) ط. الصميعي.
  3. (٣) أخرجه أحمد (٢١٧٥٣)، والنسائي (٢٣٥٧)، وابن أبي شيبة (٩٨٥٨) من حديث أسامة بن زيد. حسَّن إسناده البوصيري في «إتحاف الخيرة المهرة» (٣/ ٨٤)، واختاره الضياء (٤/ ١٠٨ - ١٠٩).
  4. (٤) برقم (٢٥٦٥/ ٣٦) من حديث أبي هريرة.
199

قبل الليل، وعمل الليل في آخره قبل النهار١. فهذا الرفع في اليوم والليلة أخص من الرفع في العام، وإذا انقضى الأجل رفع عمل العمر كله، وطويت صحيفة العمل.

وهذه المسائل من أسرار مسائل القضاء والقدر. فصلوات الله وسلامه على هادي الأمة، وكاشفِ الغمة؛ الذي أوضح به المحجة، وأقام به الحجة؛ وأنار٢ به السبيل، وأوضح به الدليل. ولله درُّ القائل٣:

أحيا القلوبَ محمدٌ لما أتىومضى فنابت بعده أنباؤه٤
كالوَرد رَاقَك ريحُه وشَمِيمُهوإذا تولى ناب عندك ماؤه٥

وقد روى مسلم في «صحيحه»٦ عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشه على الماء».

وفي «صحيحه»٧ أيضًا عنه: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إن قلوب

  1. (١) كما ثبت من حديث أبي موسى عند مسلم (١٧٩).
  2. (٢) (هـ): «أبان».
  3. (٣) «در» من (هـ). ولم أهتد إلى قائله.
  4. (٤) «فنابت» في الطبعتين: «فناءت» خلافًا لرسم الأصل، وهو يعكس المراد. «أنباؤه» في ط. الفقي: «أمناؤه» خلافًا للأصل.
  5. (٥) «وشميمه» في ط. الفقي: «فشممته»، وط. المعارف: «وشممته» خلافًا للأصل. «عندك» في الأصل والطبعتين: «عنه»، والمثبت يستقيم به الوزن.
  6. (٦) برقم (٢٦٥٣).
  7. (٧) برقم (٢٦٥٤).
200

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي