وفي لفظ للبخاري١: «لا يأتي ابنَ آدم النذرُ بشيء لم يكن قُدِّر له، ولكن يلقيه النذر إلى القَدَر قد قُدِّر له٢، فيَستخرِج الله به من البخيل، فيؤتي عليه ما لم يكن يؤتي عليه من قبل».
وفي لفظ في «الصحيحين»٣ عن ابن عمر عن النبي ﷺ: «النذر لا يُقرِّب من ابن آدم شيئًا لم يكن الله قدَّره له، ولكن النذر يوافق القدر، فيُخرَج بذلك من البخيل ما لم يكن البخيلُ يريد أن يُخرج».
هذه الأحاديث في النذر والقدر أدخلها البخاري في كتاب القدر، وهي إنما تدل على القَدَر الذي لا يتعلق بقدرة العبد ومشيئته، والكلام فيه إنما هو مع٤ غلاة القدرية المنكرين لتقدُّم العلم والكتاب.
وأما القدرية المنكرون لخلق الأفعال، فلا يُحتَجُّ عليهم بذلك، والله أعلم.
وقد نظرتُ في أدلة إثبات القدر والرد على القدرية المجوسية فإذا هي تقارب خمسمائة دليل، وإن قدر الله تعالى أفردت لها مصنّفًا مستقلًّا٥، وبالله ﷿ التوفيق.
(١) (٦٦٩٤) من رواية أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة.
(٢) في الأصل: «قد قدرته»، تصحيف.
(٣) حديث ابن عمر أخرجه البخاري (٦٦٠٨، ٦٦٩٢، ٦٦٩٣) ومسلم (١٦٣٩)، ولكن اللفظ المذكور هو لفظ حديث أبي هريرة عند مسلم (١٦٤٠/ ٧).
(٤) ط. الفقي: «من» خلافًا للأصل.
(٥) لعله كتاب «شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل»، فإن أدلة إثبات القدر منتشرة في مباحثه.
٨ - باب في ذَراريِّ المشركين
٥٦١/ ٤٥٤٦ - عن ابن عباس ــ وهو عبد الله ــ ﵄ أن النبيَّ ﷺ سُئِل عن أولاد المشركين، فقال: «الله أعلمُ بما كانوا عاملين».
وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي١.
٥٦٢/ ٤٥٤٧ - وعن عائشة ﵂ قالت: قلتُ: يا رسول الله، ذَراريُّ المؤمنين؟ فقال: «مِن آبائهم»، فقلت: يا رسول الله، بلا عمل؟ قال: «الله أعلم بما كانوا عاملين»، قلت: يا رسول الله، فذرَارِي المشركين؟ قال: «مِن آبَائهِم»، قلت: بلا عمل؟ قال: «الله أعلم بما كانوا عاملين»٢.
قال ابن القيم ﵀: حديث عائشة: «قلت يا رسول الله ...» من رواية عبد الله بن أبي قَيس مولى غُطَيف٣ عنها، وليس بذاك المشهور٤.
(١) أبو داود (٤٧١١)، والبخاري (٦٥٩١)، ومسلم (٢٦٦٠)، والنسائي (١٩٥١، ١٩٥٢).
(٢) «سنن أبي داود» (٤٧١٢)، وكذا أخرجه أحمد (٢٤٥٤٥)، والبخاري في «التاريخ الكبير» (١/ ٥٨)، من طرق عن عبد الله بن أبي قيس، عن عائشة ﵂.
(٣) كذا في الأصل، وظنّه محقق ط. المعارف تصحيفًا، وليس كذلك إذ هو هكذا في «المسند» (٢٤٥٤٥)، و«التاريخ الكبير» للبخاري (٥/ ١٧٣)، و«الثقات» لابن حبان (٥/ ٤٤)، و«العلل المتناهية» (٢/ ٤٤٣)، والأصول الخطية من «الإصابة» (٧/ ٢٠١ - الهامش)، ولعله هو الصواب. وفي مطبوعة كلٍّ من «الجرح والتعديل» (٥/ ١٤٠)، و«تهذيب الكمال» (٤/ ٢٤٦)، و«تهذيب التهذيب» (٥/ ٣٦٥): «عطيّة»، وكذا هو في موضعٍ من «الإصابة» (٧/ ١٨٧). وهو الذي أَثبته محقق ط. المعارف.
(٤) كذا قاله ابن الجوزي في «العلل المتناهية» (٢/ ٤٤٤)، ولعل المؤلف صادر عنه، وفي إعلال ابن الجوزي الحديثَ به نظر، فإن عبد الله بن أبي قيس وثَّقه العجلي والنسائي وابن حبان، وقال أبو حاتم الرازي: «صالح الحديث»، وأخرج له مسلم.