وفي لفظ آخر١: «على هذه الملة حتى يُبِينَ عنه لسانه».
وفي لفظ آخر٢: «ليس مِن مولود يولد إلا على هذه الفطرة، حتى يعبّر عنه لسانه».
وفي لفظ آخر٣: «من يولد يولد على [هذه] الفطرة».
وفي لفظ آخر٤: «كل إنسان تَلِده أمُّه على الفطرة، وأبواه بعدُ يُهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجِّسانه، فإن كانا مسلمين فمسلم».
وهذه الألفاظ كلها في «الصحيحين» إلا لفظ «الملة» فهو لمسلم، وكذا لفظ: «يُشرِّكانه» له أيضًا، وكذا قوله: «حتى يُعبّر عنه لسانه»، وكذا لفظ: «فإن كانا مسلمين فمسلم» لمسلم وحده.
[ق ٢٤٠] وإنما سقنا هذه الألفاظ لنبين بها أن الكلام جملتان، لا جملة واحدة، وأن قوله: «كل مولود يولد على الفطرة» جملة مستقلة، وقوله: «أبواه يهودانه ...» إلى آخره جملة أخرى. وهو يبين غلط من زعم أن الكلام جملة واحدة، وأن المعنى: كل مولود يولد بهذه الصفة فأبواه يهودانه، وجعل الخبر عند قوله «يهودانه» إلى آخره. وألفاظ الحديث تدل على خطأ هذا القائل، وتدل أيضًا على أن الفطرة هي فطرة الإسلام، ليست الفطرة العامة التي فُطِر عليها من الشقاوة والسعادة، لقوله: «على هذه الفطرة»، وقولهِ: «على هذه الملة».
(١) بالرقم السابق.
(٢) بالرقم السابق.
(٣) «صحيح مسلم» (٢٦٥٨/ ٢٤)، وما بين الحاصرتين منه.
(٤) «صحيح مسلم» (٢٦٥٨/ ٢٥).
وسياقه أيضًا يدل على أنها هي المراد، لإخباره بأن الأبوين هما اللذان يغيّرانها، ولو كانت الفطرة هي فطرة الشقاوة والسعادة في قوله١: «على هذه الفطرة» لكان الأبوان مقرِّرَين٢ لها.
ولأن قراءةَ قوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾[الروم: ٣٠] عقب الحديثِ٣ صريحٌ في أن المراد بها فطرةُ الإسلام.
ولأن تشبيهَ المولود في ولادته عليها بالبهيمة الجمعاء ــ وهي الكاملة الخلق ــ، ثم تشبيهَه إذا خرج عنها بالبهيمة التي جَدَعها أهلُها فقطعوا آذانها٤ = دليل على أن الفطرة هي الفطرة المستقيمة السليمة، وما يطرأ على المولود من التهويد والتنصير بمنزلة الجدع والتغيير في ولد البهيمة.
ولأن الفطرة حيث جاءت مطلقةً معرَّفة باللام لا يراد بها إلا فطرة التوحيد والإسلام، وهي الفطرة الممدوحة، ولهذا جاء في حديث الإسراء لمّا أخذ النبي ﷺ اللبن قيل له: «أصبتَ الفطرة»٥، ولمّا سمع النبي ﷺ المؤذن يقول: الله أكبر الله أكبر، قال: «على الفطرة»٦. وحيث جاءت
(١) في الأصل والطبعتين: «لقوله»، ولعله تصحيف ما أثبت فإن المعنى عليه.
(٢) في الطبعتين: «مقدرين» خلافًا للأصل وعكسًا للمعنى المقصود.
(٣) قرأها أبو هريرة ﵁ كما في البخاري (١٣٥٩، ٤٧٧٥) ومسلم (٢٦٥٨/ ٢٢).
(٤) في الطبعتين: «أذنها» خلافًا للأصل.
(٥) أخرجه البخاري (٣٤٣٧) ومسلم (١٦٨، ١٦٤) من حديث أبي هريرة وحديث أنس ﵄.