تهذيب السنن

وسياقه أيضًا يدل على أنها هي المراد، لإخباره بأن الأبوين هما اللذان يغيّرانها، ولو كانت الفطرة هي فطرة الشقاوة والسعادة في قوله١: «على هذه الفطرة» لكان الأبوان مقرِّرَين٢ لها.

ولأن قراءةَ قوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠] عقب الحديثِ٣ صريحٌ في أن المراد بها فطرةُ الإسلام.

ولأن تشبيهَ المولود في ولادته عليها بالبهيمة الجمعاء ــ وهي الكاملة الخلق ــ، ثم تشبيهَه إذا خرج عنها بالبهيمة التي جَدَعها أهلُها فقطعوا آذانها٤ = دليل على أن الفطرة هي الفطرة المستقيمة السليمة، وما يطرأ على المولود من التهويد والتنصير بمنزلة الجدع والتغيير في ولد البهيمة.

ولأن الفطرة حيث جاءت مطلقةً معرَّفة باللام لا يراد بها إلا فطرة التوحيد والإسلام، وهي الفطرة الممدوحة، ولهذا جاء في حديث الإسراء لمّا أخذ النبي ﷺ اللبن قيل له: «أصبتَ الفطرة»٥، ولمّا سمع النبي ﷺ المؤذن يقول: الله أكبر الله أكبر، قال: «على الفطرة»٦. وحيث جاءت

  1. (١) في الأصل والطبعتين: «لقوله»، ولعله تصحيف ما أثبت فإن المعنى عليه.
  2. (٢) في الطبعتين: «مقدرين» خلافًا للأصل وعكسًا للمعنى المقصود.
  3. (٣) قرأها أبو هريرة ﵁ كما في البخاري (١٣٥٩، ٤٧٧٥) ومسلم (٢٦٥٨/ ٢٢).
  4. (٤) في الطبعتين: «أذنها» خلافًا للأصل.
  5. (٥) أخرجه البخاري (٣٤٣٧) ومسلم (١٦٨، ١٦٤) من حديث أبي هريرة وحديث أنس ﵄.
  6. (٦) أخرجه مسلم (٣٨٢) من حديث أنس ﵁.
212

الفطرة في كلام رسول الله ﷺ فالمراد بها فطرة الإسلام لا غير، ولم يجئ قط في كلامه مرادًا بها فطرة الشقاوة وابتداءُ الخِلقة في موضع واحد.

ولفظ الحديث يدل على أنه غير منسوخ وأنه يستحيل فيه النسخ كما قال بعضهم، لأنه خبر محض، وليس حكمًا يدخل تحت الأمر والنهي، فلا يدخله نسخ.

وأما حديث عائشة في قصة الصبيّ من الأنصار، فرده الإمام أحمد١ وطعن فيه، وقال: من يشك أن أولاد المسلمين في الجنة؟! وقال أيضًا: إنهم لا اختلاف فيهم.

وأما مسلم فأورده في «صحيحه» كما تقدم.

ومن انتصر للحديث وصححه يقول: الإنكار من النبي ﷺ على عائشة إنما كان لشهادتها للطفل المعيّن بأنه في الجنة، كالشهادة للمسلم المعين، فإن الطفل تبع لأبويه، فإذا كان أبواه لا يُشهد لهما بالجنة، فكيف يُشهد للطفل التابع لهما؟ والإجماع إنما هو على أن أطفال المسلمين من حيث الجملة مع آبائهم، فيجب الفرق بين المعين والمطلق.

  1. (١) كما في «كتاب أهل الملل والردّة» من «الجامع» للخلال (١/ ٦٦ - ٦٨)، و«المنتخب من علل الخلّال» لابن قدامة (ص ٥٣)، وذلك أنه رواه طلحة بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله، عن عمته عائشة بنت طلحة، عن عائشة، وطلحة ضعّفه أحمد وأنكر عليه هذا الحديث. وله طريق أخرى ــ كما عند مسلم (٢٦٦٢/ ٣٠) ــ عن عائشة بنت طلحة، ولكن يرى أحمد أن مردّها أيضًا إلى طلحة بن يحيى. انظر: «العلل» برواية عبد الله (١٣٨٠).
213

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي