الفطرة في كلام رسول الله ﷺ فالمراد بها فطرة الإسلام لا غير، ولم يجئ قط في كلامه مرادًا بها فطرة الشقاوة وابتداءُ الخِلقة في موضع واحد.
ولفظ الحديث يدل على أنه غير منسوخ وأنه يستحيل فيه النسخ كما قال بعضهم، لأنه خبر محض، وليس حكمًا يدخل تحت الأمر والنهي، فلا يدخله نسخ.
وأما حديث عائشة في قصة الصبيّ من الأنصار، فرده الإمام أحمد١ وطعن فيه، وقال: من يشك أن أولاد المسلمين في الجنة؟! وقال أيضًا: إنهم لا اختلاف فيهم.
وأما مسلم فأورده في «صحيحه» كما تقدم.
ومن انتصر للحديث وصححه يقول: الإنكار من النبي ﷺ على عائشة إنما كان لشهادتها للطفل المعيّن بأنه في الجنة، كالشهادة للمسلم المعين، فإن الطفل تبع لأبويه، فإذا كان أبواه لا يُشهد لهما بالجنة، فكيف يُشهد للطفل التابع لهما؟ والإجماع إنما هو على أن أطفال المسلمين من حيث الجملة مع آبائهم، فيجب الفرق بين المعين والمطلق.
(١) كما في «كتاب أهل الملل والردّة» من «الجامع» للخلال (١/ ٦٦ - ٦٨)، و«المنتخب من علل الخلّال» لابن قدامة (ص ٥٣)، وذلك أنه رواه طلحة بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله، عن عمته عائشة بنت طلحة، عن عائشة، وطلحة ضعّفه أحمد وأنكر عليه هذا الحديث. وله طريق أخرى ــ كما عند مسلم (٢٦٦٢/ ٣٠) ــ عن عائشة بنت طلحة، ولكن يرى أحمد أن مردّها أيضًا إلى طلحة بن يحيى. انظر: «العلل» برواية عبد الله (١٣٨٠).
وفي «صحيح أبي حاتم»١ من حديث عبد الله بن ضمرة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «ذراريُّ المؤمنين يكفلهم إبراهيم ﷺ في الجنة».
وقد روى البخاري في «صحيحه»٢ عن سمرة بن جندب قال: كان رسول الله ﷺ مما يكثر أن يقول لأصحابه: «هل رأى أحد منكم رؤيا»، قال: فيَقُصُّ عليه من شاء الله أن يقص، وإنه قال لنا ذات غداة: «أتاني الليلة آتيان ...» فذكر حديث الرؤيا بطوله إلى أن قال: «فأتينا على روضة مُعتَمَّة٣ مِن كل لون الربيع، وإذا بين ظهري الروضة رجل طويل لا أكاد أرى رأسه طولًا في السماء، وإذا حولَ الرجل أكثرُ ولدانٍ رأيتهم قط ...»، وقال فيه: «وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم ﷺ، وأما الولدان الذين حوله فكلُّ مولود مات على الفطرة»، قال: فقال بعض المسلمين: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ فقال رسول الله ﷺ: «وأولاد المشركين».
وفي «الصحيحين»٤ عن ابن عباس: سئل رسول الله ﷺ عن أولاد المشركين، فقال: «الله أعلم بما كانوا عاملين إذ خلقهم».
(١) برقم (٧٤٤٦)، وأخرجه أيضًا أحمد (٨٣٢٤)، والحاكم (٢/ ٣٧٠) وقال: «صحيح الإسناد»، مع أن في إسناده عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، وهو ضعيف، ولكن قد صحّ عن أبي هريرة نحوه من وجه آخر أخرجه ابن أبي شيبة (١٢٠٥٢) والحاكم (١/ ٣٨٤) على اختلاف في رفعه ووقفه، والصواب الوقف كما قال الدارقطني في «العلل» (٢٢١١)، ويثبت له حكم الرفع لأنه مما لا مجال للرأي فيه، ويشهد له أيضًا حديث سمرة الآتي.