تهذيب السنن

قال: سمعت أبا رجاء العطاردي قال: سمعت ابن عباس يقول وهو على المنبر: قال [ق ٢٤١] رسول الله ﷺ: «لا يزال أمر هذه الأمة مؤَامًّا١ ــ أو مقارِبًا ــ، ما لم يتكلموا في الوِلدان والقدر». قال أبو حاتم: الولدان أراد به أطفال المشركين.

وفيما استدلت به هذه الطائفة نظر، والنبي ﷺ لم يُجِبْ فيهم بالوقف، وإنما وكل عِلْمَ ما كانوا يعملونه لو عاشوا إلى الله، وهذا جواب عن سؤالهم: «كيف يكونون مع آبائهم بغير عمل؟» وهو طرف من الحديث.

  1. (١) كذا في الأصل و(هـ)، وهو الصواب، وفي ط. الفقي: «قوامًا»، وفي ط. المعارف وبعض مصادر التخريج: «مواتيًا»، وفي مطبوعة «صحيح ابن حبان» (الإحسان - ط. الرسالة) وبعض المصادر الأخرى: «موائمًا»، وكلّ ذلك تحريف، وقد جاء رسمه على الصواب في «التقاسيم والأنواع» (٤٨٧٨) ط. ابن حزم، و«المختارة»، والنسخة الخطّية من «السنة» لعبد الله.
    قال الخطابي: «قوله: مؤامًّا ــ مثقّلة الميم ــ أي مقاربًا، من قولِك: أمر أَمَم: أي قصدٌ قريب، ونظرتُ إليه من أمم: أي مِن قُرب. وقال بعض أهل اللغة: أمم هو ما بين القرب والبُعد». «غريب الحديث» (٢/ ٤٦٥)، وانظر: «الفائق» (١/ ٥٨) و«النهاية» (مأم). قلت: ويتأيّد الصواب برواية الفريابي: «لا يزال أمر هذه الأمة أَمَمًا ...»، أي قصدًا ووسطًا.
216

ويدل عليه حديث عائشة الذي ذكره أبو داود في أول الباب، والنبي ﷺ وَكَل العلمَ بعملهم إلى الله، ولم يقل: «الله أعلم حيث يستقرون وأين يكونون». فالدليل غير مطابق لمذهب هذه الطائفة.

وأما حديث ابن عباس في المنع من الكلام فيهم، ففي القلب من رفعه شيء١، وبالجملة فإنما يدل على ذم من تكلّم فيهم بغير علم، أو ضَرَب الأحاديث فيهم بعضها ببعض، كما فعل الذين أنكر عليهم كلامَهم في القَدَر. وأما من تكلم فيهم بعلمٍ وحقٍّ فلا يُذم.

القول الثاني: إن أطفال المشركين في النار. وهذا مذهب طائفة، وحكاه القاضي أبو يعلى روايةً عن أحمد٢، قال شيخنا٣: وهو غلط منه على أحمد، وسبب غلطه أن أحمد سئل عنهم فقال: هم على الحديث، قال القاضي: أراد حديث خديجة إذ سألت النبي ﷺ عن أولادها الذين ماتوا قبل الإسلام فقال: «إن شئتِ أسمعتك تضاغيهم في النار»٤. قال شيخنا٥:

  1. (١) زاد المؤلف في «أحكام أهل الذمة» (٢/ ١٠٩٠) فقال: «والناس إنما رووه موقوفًا عليه، وهو الأشبه»، وقد سبق تفصيل ذلك في التخريج.
  2. (٢) واختارها وبالغ ابنُه القاضي أبو الحسين فضمّن هذا القول في جزئه في «الاعتقاد» (ص ٣٤)!
  3. (٣) انظر: «مجموع الفتاوى» (٢٤/ ٣٧٢)، و«درء التعارض» (٨/ ٣٩٨).
  4. (٤) هذا لفظ حديث بُهيّة عن عائشة، وقد سبق، وأما حديث خديجة فلفظه: «هما في النار». أخرجه عبد الله في زيادات «المسند» (١١٣١)، ولا يصح، في إسناده جهالة وانقطاع. وأخرجه أبو يعلى (٧٠٧٧) من طريق آخر، وفيه انقطاع أيضًا. انظر: «تفسير ابن كثير» (الإسراء: ١٥)، و«سير أعلام النبلاء (٢/ ١١٣)، و«الضعيفة» (٥٧٩١).
  5. (٥) انظر: «منهاج السنة» (٢/ ٣٠٦)، و«درء التعارض» (٨/ ٣٩٨ - ٣٩٩).
217

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي