«وأما الجنة فإن الله ينشئ لها خلقا»، وقد ذكره البخاري١، وسياق الحديث يدل على ذلك.
قالوا: وأما حديث عائشة والصعب بن جَثَّامة٢، فليس فيه أنهم في النار، وإنما فيه أنهم «من آبائهم» تبع لهم في الحكم وأنهم إذا أصيبوا في البيات لم يُضمَنوا بديةٍ ولا كفارة، وهذا ظاهر في حديث الصعب٣. وأما حديث عائشة فقد ضعفه غير واحد٤.
قالوا: وحديث خديجة باطل لا يصح.
والقول الرابع: إنهم بين الجنة والنار، إذ لا معصية لهم توجب دخول النار، ولا إسلام يوجب لهم دخول الجنة.
وهذا أيضًا ليس بشيء، فإنه لا دار للقرار إلا الجنة والنار، وأما الأعراف فإن مآل أصحابها إلى الجنة، كما قاله الصحابة٥.
والقول الخامس: إنهم تحت المشيئة، يجوز أن يعذبهم وأن ينعمهم،
(١) برقم (٤٨٥٠) من حديث أبي هريرة ﵁، وأخرجه مسلم (٢٨٤٦/ ٣٦) أيضًا. وأخرجاه أيضًا من حديث أنس؛ البخاري (٧٣٨٤)، ومسلم (٢٨٤٨).
(٢) في الأصل و(هـ) وط. الفقي: «الأسود بن سريع»، وهو سبق قلم كما نبّه عليه محقق ط. المعارف، لأن الذي سبق بهذا اللفظ هو حديث الصعب بن جثّامة المتفق عليه، وأما حديث الأسود فهو في الامتحان يوم القيامة، وسيأتي في كلام المؤلف.
(٣) الأصل و(هـ) وط. الفقي: «الأسود»، وهو سبق قلم كما سبق.
(٤) ضعّفه ابن الجوزي في «العلل المتناهية» كما سبق بيانه والنظر فيه.
(٥) كحذيفة وابن عباس وعبد الله بن الحارث. انظر: «تفسير الطبري» (١٠/ ٢١٢ وما بعدها).
وأن يعذب بعضًا وينعم بعضًا. وهذا قول كثير من المثبتين للقدر، وقول الجبرية ونفاة التعليل والحكم.
والقول السادس: إنهم ولدان أهل الجنة وخَدَمهم، وقد روي في ذلك حديث لا يثبت١.
والقول السابع: إن حكمهم حكم الآباء في الدنيا والآخرة، فلا حكم لهم غير حكم آبائهم. فكما هم معهم تبع في الدنيا فكذلك٢ في الآخرة.
والقول الثامن: إنهم يُمتحنون في الآخرة، فمن أطاع منهم أدخله الجنة، ومن عصى عذّبه.
وقد روي في هذا من حديث الأسود بن سريع وأبي هريرة وغيرهما مرفوعًا٣، وهي أحاديث يشد بعضُها بعضًا.
(١) عن أنس وسمرة بن جندب. أما حديث أنس فأخرجه البزار (٧٤٦٦، ٧٤٦٧)، وأبو يعلى (٤٠٩٠)، والطبراني في «الأوسط» (٥٣٥٥) من طريقين؛ من طريق يزيد الرقاشي، ومن طريق زيد بن علي بن جدعان، كلاهما عن أنس. والحديث بمجموعهما محتمل للتحسين. وله طريق ثالث عن أنس عند الطبراني في «الأوسط» (٢٩٧٢) لكنه واهٍ بمرة. وأما حديث سمرة فأخرجه البزار (٤٥١٦) والطبراني في «الكبير» (٧/ ٢٤٤) و«الأوسط» (٢٠٤٥)، من طريق عباد بن منصور، عن أبي رجاء، عن سمرة. وعبّاد ضعيف، والمحفوظ حديث عوف الأعرابي، عن أبي رجاء، عن سمرة في رؤيا النبي ﷺ إبراهيمَ في روضة وحوله الولدان الذين ماتوا على الفطرة، فقيل: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ فقال: «وأولاد المشركين». أخرجه البخاري، وقد سبق.
(٢) الأصل: «كذلك»، والمثبت من (هـ).
(٣) «مرفوعًا» من (هـ). ولفظ حديث الأسود وأبي هريرة: «أربعة يوم القيامة: رجل أصم لا يسمع شيئًا، ورجل أحمق، ورجل هَرِم، ورجل مات في فترة ...» ثم ذكر احتجاجهم على الله، فامتحانه إياهم. أخرجه أحمد (١٦٣٠١، ١٦٣٠٢) ــ ومن طريقه الضياء في «المختارة» (٤/ ٢٥٥) ــ من طريق معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، عن الأحنف بن قيس، عن الأسود؛ وقال معاذ: وحدثني أبي، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة. حديث الأسود صححه ابن حبان (٧٣٥٦)، على أن فيه انقطاعًا بين قتادة والأحنف. وحديث أبي هريرة صحح البيهقي إسناده في «الاعتقاد» (ص ١٨٥) و«القضاء والقدر» (٦٤٥). وروي عن أبي هريرة من وجه آخر موقوفًا عليه. أخرجه عبد الرزاق في «تفسيره» (١/ ٣٧٤) بإسناد صحيح. وفي الباب حديث أنس ومعاذ وأبي سعيد الخدري، وفي حديثهم ذكر المولود الهالك صغيرًا، وهو الشاهد لما نحن فيه، ولكن أسانيدها ضعيفة، وأمثلها حديث أبي سعيد. انظر: «طريق الهجرتين» (٢/ ٨٦٧ - ٨٧٢)، و«السلسلة الصحيحة» (٢٤٦٨).