تهذيب السنن

وهذا أعدل الأقوال، وبه يجتمع شمل الأدلة وتتفق الأحاديث في هذا الباب. وعلى هذا فيكون بعضهم في الجنة كما في حديث سمرة، وبعضهم في النار كما دل عليه حديث عائشة. وجواب النبي ﷺ يدل على هذا، فإنه قال: «الله أعلم بما كانوا عاملين إذ خلقهم». ومعلوم أن الله لا يعذبهم بعلمه فيهم ما لم يقع معلومه، فهو إنما يعذب من يستحق العذاب على معلومه، وهو متعلَّق علمه السابق فيه، لا على علمه المجرّد، وهذا العلم يظهر معلومه في الدار الآخرة.

وفي قوله: «الله أعلم بما كانوا عاملين» إشارة إلى أنه سبحانه كان يعلم ما كانوا عاملين لو عاشوا، وأن من يطيعه وقت الامتحان [ق ٢٤٢] كان يطيعه لو عاش في الدنيا، ومن يعصيه حينئذ كان ممن يعصيه لو عاش في الدنيا. فهو دليل على تعلُّق علمِه بما لم يكن لو كان كيف كان يكون.

221

وقيل: إنما قاله النبي ﷺ قبل أن يُعلِمه الله بمصيرهم ومستقرهم؛ وليس بشيء، فإنه لا تعرض في هذا للمستقر، كما تقدم.

وقيل معناه الله أعلم على أي دين يميتهم لو عاشوا وبلغوا العمل، فأما إذا عدم فيهم العمل فهم في رحمة الله؛ وهذا بعيد من دلالة اللفظ عليه، والله أعلم.

٩ - باب في الرد على الجهمية

٥٧١/ ٤٥٥٨ - وعن العباس بن عبد المطلب ﵁، قال: كنتُ في البَطْحاء في عِصابة، فيهم رسول الله ﷺ، فمرَّتْ بهم سَحابة فنظر إليها فقال: «ما تُسَمُّون هذه؟» قالوا: السحاب، قال: «والمُزْن»، قالوا: والمزن، قال: «والعَنان»، قالوا: والعَنان ــ قال أبو داود: لم أتقن «العَنان» جيدًا ــ قال ﷺ: «هل تَدْرُون ما بُعْدُ ما بين السماء والأرض؟» قالوا: لا ندري، قال: «إن بُعْدَ ما بينهما إمَّا واحدة، أو اثنتان، أو ثلاث وسبعون سنة، ثم السماء فوقها كذلك ــ حتى عَدَّ سَبْع سماوات ــ ثم فوق السابعة بَحْرٌ بين أسفله وأعلاه مثلُ ما بين سماءٍ إلى سماء، ثم فوقَ ذلك ثمانية أوعالٍ، بين أظلافهم ورُكَبهم مثلُ ما بين سماء إلى سماءٍ، ثم على ظهورهم العرش، بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم الله ﵎ فوقَ ذلك».

وأخرجه ابن ماجه والترمذي١، وقال: حسن غريب، وروى شريك بعض

  1. (١) أبو داود (٤٧٢٣)، وابن ماجه (١٩٣)، والترمذي (٣٣٢٠)، وأخرجه ابن خزيمة في «التوحيد» (١٧٢، ١٧٣)، وابن منده في «التوحيد» (١/ ١١٤)؛ من طرق عن سماك بن حرب، عن عبد الله بن عميرة، عن الأحنف بن قيس، عن العباس.
    قال الترمذي: حسن غريب، وصححه الجَورقاني والضياء وابن تيمية، وأعلّه الذهبي وغيره بجهالة حال عبد الله بن عميرة وبقول البخاري فيه: «لا نعلم له سماعًا من الأحنف». انظر: «الأباطيل والمناكير» (١/ ٢٠٩ - ٢١١)، و«مجموع الفتاوى» (٣/ ١٩٢)، و«العلو للعلي العظيم» (١/ ٥٠١ - ٥٠٢)، و«ميزان الاعتدال» (٢/ ٤٦٩)، «الضعيفة» (١٢٤٧). وأعل الحديث أيضًا بما لا يقدح، وسيأتي ذلك والرد عليه في كلام المؤلف.
222

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي