وأما معارضته بحديث١ الحسن عن أبي هريرة ففاسدة٢ أيضًا، فإن الترمذي ضعّف حديث الحسن هذا، وقال فيه: «غريب» فقط، قال: ويُروى عن أيوب، ويونس بن عبيد، وعلي بن زيد قالوا: لم يسمع الحسن من أبي هريرة.
قال الترمذي: ففسّر بعض أهل العلم هذا الحديث فقالوا: إنما معناه: هبط على علم الله وقدرته وسلطانه، [وعلمُ الله]٣ وقدرته وسلطانه في كل مكان، وهو على العرش كما وصف في كتابه.
وهذا التفسير الذي ذكره الترمذي يشبه التفسير الذي حكاه البيهقي عن أبي حنيفة ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾[الحديد: ٤]، فإنه قال٤: أخبرنا أبو بكر بن الحارث الفقيه، أخبرنا أبو محمد بن حيان٥، أخبرنا أحمد بن جعفر بن نصر، حدثنا يحيى بن مُعَلَّى٦
قال: سمعت
(١) في الطبعتين: «لحديث»، ورسم الأصل محتمل، والمثبت من (هـ) أوفق للسياق.
(٢) الأصل: «ففاسد» وله وجه، والمثبت من (هـ).
(٣) ساقط من الأصل و(هـ)، واستدركته من «الجامع».
(٤) في كتابه «الأسماء والصفات» (٢/ ٣٣٧ - ٣٣٨).
(٥) رسمه في الأصل يشبه: «حباب»، وفي ط. الفقي: «الحباب» خطأ، وهو على الصواب في (هـ). وهو الحافظ أبو الشيخ عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيّان الأصبهاني (ت ٣٦٩).
(٦) في الأصل و(هـ) والطبعتين: «بن يعلى»، وكذا في مطبوعة «الأسماء والصفات»، وهو تصحيف لأنه لا يوجد في هذه الطبقة أحد بهذا الاسم، ولأنه ذكر المزّي في ترجمة ابن معلَّى أنه يروي عن نعيم بن حماد (ت ٢٢٨)، وأنه روى عنه بلديّه أحمد بن جعفر بن نصر أبو العبّاس الجمّال (ت ٣١٤). «تهذيب الكمال» (٨/ ٨٨) ..
نُعَيم بن حماد يقول: سمعت نوح بن أبي مريم يقول: كنا عند أبي حنيفة أوَّل ما ظهر، إذ جاءته امرأة من تِرمِذَ كانت تجالس جهمًا، فدخلت الكوفة ــ فأظنني أقلُّ ما رأيت عليها عشرة آلاف من الناس ــ تدعو إلى رأيها، فقيل لها: إن هاهنا رجلًا نظر في المعقول يقال له: أبو حنيفة فأْتِيه، فأتته وقالت: أنت الذي تعلّم الناس المسائل، وقد تركتَ دينك؟! أين إلهك الذي تعبده؟ فسكت عنها، ثم مكث سبعة أيام لا يجيبها ثم خرج إلينا وقد وضع كتابًا: إن الله تعالى في السماء دون الأرض، فقال له رجل: أرأيت قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾؟ قال: هو كما تكتب إلى الرجل: إني معك، وأنت غائب عنه١.
قال البيهقي: فقد أصاب أبو حنيفة ﵀ فيما نفى عن الله تعالى من الكون في الأرض، وفيما ذكر من تأويل الآية، وتبع [ق ٢٤٣] مطلقَ السمع في
(١) رواة إسناده ثقات عدا نوح بن أبي مريم، وهو وإن كان متروكًا ذاهب الحديث يقلب الأسانيد ويروي المناكير إلا أنه من خواص أصحاب أبي حنيفة، والحنفية لا يتهمونه فيما ينقل عن إمامهم بل يذكرون أنه أول من جمع فقهه، وأنه كان له مجلس لأقاويل أبي حنيفة، وأنه أحد الاثني عشر من أصحاب الإمام الذين أشار إليهم أنهم يصلحون للقضاء، ولمّا استقضي على مَرْوٍ في حياة شيخه كتب إليه بكتاب فيه موعظة وشروط القضاء. قلت: وعليه فروايته هذه عن شيخه ــ لاسيما وقد تضمّنت قصةً ــ مظنة الصدق والضبط، والله أعلم. انظر: «تهذيب التهذيب» (١٠/ ٤٨٦)، و«الجواهر المضية في طبقات الحنفية» (١/ ١٧٦)، و«بدائع الصنائع» (١/ ٢٧٠).