قال أبو بكر البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يُروى عن النبي ﷺ من وجه من الوجوه، إلا من هذا الوجه. ولم يقل فيه محمد بن إسحاق: «حدثني يعقوب بن عتبة». هذا آخر كلامه.
وقد أُعِلَّ هذا الحديث بوجوه:
أحدها: أن ابن إسحاق مدلس، وقد عنعن الحديث ولم يصرِّح بالسماع، والمدلس إذا لم يذكر سماعه لم يُحتجّ براويته.
الثاني: أنه لو صرَّح بالسماع، فابن إسحاق لا يحتجُّ بحديثه، وقد كذَّبه مالك وغيره.
الثالث: أنه قد تفرَّد به يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس الثقفي، ولم يروِ عنه أحد من أهل «الصحيح»١.
الرابع: أنه رواه عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم، ولم يروِ عنه أحد من
(١) بهذين الوجهين (الثاني والثالث) أعلَّه البيهقي في «الأسماء والصفات» (٢/ ٣١٩)، وقد نقل المنذري كلامه في «المختصر». وأعله بهما أيضًا الحافظ ابن عساكر مع الوجه الآتي، كما نقله عنه المنذري، ولعله من جزء له في «حديث الأطيط». انظر: «سير أعلام النبلاء» (٢٠/ ٥٦٠).
أصحاب «الصحيح» أيضًا.
الخامس: أن الحديث اضطُرب فيه على ابن إسحاق، فقال عبد الأعلى ومحمد بن المُثنَّى ومحمد بن بشَّار: حدثنا وهب بن جرير، حدثنا أبي، سمعتُ محمد بن إسحاق يحدِّث عن يعقوب بن عتبة وجبير بن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن جدِّه. وقال أحمد بن سعيد الرِّباطي: حدثنا وهب بن جرير، حدثنا أبي، سمعتُ محمد بن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة، عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن جده١.
السادس: أنه اختُلف عليه في لفظه، فرواه يحيى بن معين وغيره فلم يذكروا: «به»، وقالوا: «إنه لَيَئِطُّ أَطِيطَ الرَّحل»٢. ورواه جماعة فقالوا: «ليئطُّ به»٣.
قال ابن القيم ﵀: قال أهل الإثبات: ليس في شيء من هذا مُستراح لكم في رد الحديث!
أما حملكم فيه على ابن إسحاق، فجوابه أن ابن إسحاق بالموضع الذي
(١) كلا الطريقين عند أبي داود في حديث الباب.
(٢) رواية ابن معين أخرجها الدارقطني في «الصفات» (٤١) وابن منده في «التوحيد» (٣/ ١٨٨). وممن أخرج الحديث دون هذه اللفظة ابنُ أبي عاصم في «السنة» (٥٨٧) من رواية عبد الأعلى النَّرْسي ومحمد بن المثنى، كلاهما عن وهب بن جرير، عن أبيه، عن ابن إسحاق به.
(٣) الكلام السابق من (هـ)، وقد لخّص ورتَّب وعدَّد فيه المؤلف وجوه الإعلال التي ذكرها المنذري في «المختصر» (ق ٤/ ١٤٦ ــ النسخة البريطانية) ضمن كلام طويل له على الحديث من لفظه ونقلًا عن غيره. إلا الوجه الخامس، فليس عند المنذري بل هومما زاده المؤلف.