تهذيب السنن

وما يدريك؟ قال: حَدَّث عن امرأتي فاطمة بنت المنذر، وأُدخِلتْ عليَّ١، وهي بنت تسع، وما رآها رجل حتى لقيتِ الله٢.

قيل: هذه الحكاية وأمثالها هي التي غرَّت من اتهمه بالكذب، وجوابها من وجوه:

أحدها: أن سليمان بن داود (راويها عن يحيى) هو الشاذَكُوني٣، وقد اتُّهم بالكذب، فلا يجوز القدح في الرجل بمثل رواية الشاذكوني.

الثاني: أن في الحكاية ما يدل على أنها كذب، فإنه قال: أُدخلتْ عليّ وهي بنت تسع، وفاطمة أكبر من هشام بثلاث عشرة سنة، ولعلها لم تُزَفّ إليه إلا وقد زادت على العشرين، ولمّا أَخَذ عنها ابنُ إسحاق كان لها نحو بضع وخمسين سنة.

الثالث: أن هشامًا إنما نفى رؤيته لها، ولم ينف سماعه منها، ومعلوم أنه لا يلزم من انتفاء الرؤية انتفاء السماع. قال الإمام أحمد: لعله سمع منها في

  1. (١) في الأصل والطبعتين: «أُدخلتُ عليها» ولعله سبق قلم، والتصحيح من «الكامل»، وسيأتي على الصواب في الوجه الثاني من أوجه الرد على الحكاية.
  2. (٢) أسنده العقيلي في «الضعفاء» (٥/ ١٩٣) وابن عدي في «الكامل» (٦/ ١٠٣).
  3. (٣) وكذا جزم به الذهبي في «السير» (٧/ ٤٩) فقال: «هذه الخرافة من صنعة سليمان، وهو الشاذكوني ــ لا صبَّحه الله بخير ــ، فإنه مع تقدّمه في الحفظ متَّهم عندهم بالكذب، وانظر كيف قد سلسل الحكاية!». ويشكل على هذا أن الشاذكوني كنيته: «أبو أيوب»، والذي ذكر المؤلف في الحكاية: «أبو داود»، وكذا في «الميزان» (٣/ ٤٧١)، وهذه كنية الطيالسي الإمام الحافظ صاحب «المسند» (ت ٢٠٤)، ولكن لعل ذكر الكنية وهمٌ، فإنها لم ترد في «الكامل» ولا في «الضعفاء».
233

المسجد، أو دخل عليها فحدثَّتْه من وراء حجاب، فأي شيء في هذا؟ وقد كانت امرأة قد كَبِرت وأسنَّت١.

وقال يعقوب بن شيبة٢: سألت ابن المديني عن ابن إسحاق؟ قال: حديثه عندي صحيح، قلت: فكلام مالك فيه؟ قال: مالك لم يجالسه ولم يعرفه، وأي شيء حدّث بالمدينة؟! قلت: فهشام بن عروة قد تكلم فيه؟ قال: الذي قال هشام ليس بحجة، لعله دخل على امرأته وهو غلام فسمع منها، فإن حديثه ليتبين فيه الصدق؛ يروي مرة: حدثني أبو الزناد، ومرة: ذكر أبو الزناد، ويقول: حدثني الحسن بن دينار عن أيوب عن عمرو بن شعيب في سلف وبيع، وهو أروى الناس عن عمرو بن شعيب٣.

فصل

وأما قولكم: إنه لم يُصرّح بسماعه من يعقوب بن عتبة، فعلى تقدير ثبوت العلم بهذا النفي لا يخرج الحديث عن كونه حسنًا، فإنه قد لقي يعقوب وسمع منه، وفي «الصحيح» قطعة من الاحتجاج بعنعنة المدلس، كأبي الزبير عن جابر، وسفيان عن عمرو بن دينار، ونظائر [ق ٢٤٤] كثيرة لذلك.

وأما قولكم: تفرد به يعقوب بن عتبة، ولم يرو عنه أحد من أصحاب

  1. (١) ذكره الذهبي في «الميزان» (٣/ ٤٧٠) بأتم منه.
  2. (٢) أسنده عنه الخطيب في «تاريخه» (٢/ ٢٧ - ٢٨).
  3. (٣) يعني أنه لو لم يكن من أهل الصدق لأسقط الواسطتين ــ لاسيما الحسن بن دينار فإنه متروك ــ وجعله عن عمرو بن شعيب مباشرة.
234

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي