تهذيب السنن

[البقرة: ٢٩] ارتفع، ﴿فَسَوَّى﴾:١ خَلَقهنّ، وقال مجاهد: ﴿اسْتَوَى﴾ علا.

وقال أبو الحسن علي بن مهدي٢ الطبري من كبار أصحاب أبي الحسن الأشعري: «والله في السماء فوقَ كل شيء، مستوٍ على عرشه بمعنى أنه عالٍ عليه، ومعنى الاستواء الاعتلاء، كما تقول: استويتُ على ظهر الدابة، واستويتُ على السطح بمعنى علوتَه، واستوت الشمسُ على رأسي واستوى الطيرُ على قمة رأسي بمعنى علا، تعني علا في الجو فوُجِد فوق رأسي؛ فالقديم سبحانه عالٍ على عرشه، لا قاعد ولا قائم ولا مماسّ ولا مباين عن العرش». هذا كلامه حكاه عنه البيهقي٣.

قال٤: وروى [أبو] الحسن بن مهدي الطبري عن أبي عبد الله نِفطويه

  1. (١) كذا في الأصل بالاقتصار على الفعل دون ضمير النصب من قوله تعالى: ﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾، وهكذا هو في «الصحيح» برواية أبي ذر عن الحَمُّويي والمستملي، وفي باقي روايات «الصحيح»: ﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾.
  2. (٢) ط. الفقي: «محمد» خلافًا للأصل، وهو هنا منسوب إلى جده فإنه علي بن محمد بن مهدي الطبري، الفقيه المتكلم، ألف «كتاب تأويل الأحاديث المشكلات الواردات في الصفات». انظر: «طبقات الشافعية الكبرى» (٣/ ٤٦٦). وقد أورد البيهقي في مواضع من كتابه «الأسماء والصفات» (٢/ ١٧٢، ٤١٢، ٤٢١ وغيرها) كلامًا لأبي الحسن الطبري في تأويل (= تحريف) أحاديث الصفات من كتابه المذكور، ولعل النقل الآتي منه أيضًا، وإنما نقله المؤلف لما فيه من موافقة الحق.
  3. (٣) «الأسماء والصفات» (٢/ ٣٠٨).
  4. (٤) أي البيهقي في كتابه (٢/ ٣١٤). وأخرجه اللالكائي في «السنة» (٣/ ٤٤٢ - ٤٤٣) من طريق نفطويه ومن طريق آخر أيضًا عن ابن الأعرابي، وإسناد كليهما صحيح.
246

قال: أخبرني أبو سليمان قال: كنا عند ابن الأعرابي١ فأتاه رجل فقال يا أبا عبد الله ما معنى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] قال: إنه مستوٍ على عرشه كما أخبر، فقال الرجل: إنما معنى ﴿اسْتَوَى﴾ استولى، فقال له ابن الأعرابي: ما يُدريك؟ العربُ لا تقول: استولى على الشيء فلانٌ حتى يكون له فيه مُضاد، فأيهما غلب قيل: قد استولى عليه، والله تعالى لا مضاد له، فهو على عرشه كما أخبر.

وقال يحيى بن إبراهيم الطُّلَيطِلي٢ في كتاب «سِيَر الفقهاء»: حدثني عبد الملك بن حبيب، عن عبد الله بن المغيرة، عن الثوري، عن الأعمش، عن إبراهيم قال: «كانوا يكرهون قول الرجل: يا خيبة الدهر، وكانوا يقولون الله هو الدهر؛ وكانوا يكرهون قول الرجل: رَغِم أنفي لله، وإنما يرغم أنف الكافر؛ وكانوا يكرهون قول الرجل: لا والذي [ق ٢٤٦] خاتمه على فمي، وإنما يختم على فم الكافر؛ وكانوا يكرهون قول الرجل: واللهِ حيث كان، أو: إن الله بكل مكان»٣، قال أصبغ: «وهو مستوٍ على عرشه، وبكلّ مكان علمه

  1. (١) أبو سليمان هو داود بن علي الظاهري، كما جاء مصرّحًا في رواية اللالكائي، وابن الأعرابي هو إمام اللغة في زمانه محمد بن زياد ابن الأعرابي (ت ٢٣١).
  2. (٢) هو المعروف بابن مُزَين، من أهل «طُلَيطِلة» بلدة عظيمة بالأندلس، كان حافظًا للموطأ فقيهًا فيه، وله حظ من علم العربية، وله «تفسير الموطأ» وغيره من التآليف الحسان، توفي سنة ٢٥٩. انظر: «ترتيب المدارك» (٤/ ٢٣٨). وقد وصف المؤلفُ كتابَه «سِيَر الفقهاء» في «اجتماع الجيوش الإسلامية» (ص ٢٠٢) بأنه «كتاب جليل غزير العلم».
  3. (٣) إسناده ضعيف لضعف عبد الملك بن حبيب القرطبي وعبد الله بن المغيرة. انظر: «لسان الميزان» (٥/ ٢٥٥، ٢٠)، وقد رويت الجملة الأخيرة عند ابن أبي شيبة (١٢٥٣٩) من طريق آخر عن إبراهيم بلفظ: «كان يكره أن يقول: وإني سآتيك واللهِ حيث كان، قال: فإن الله بكل مكان». وعلى هذا يكون ما هنا تصحيفًا، ويؤيّده أن إبراهيم أعقب كل مكروه بذكر علة الكراهة، فتكون الجملة الأخيرة كذلك، وأيضًا فإن ابن مُزَين أعقبه بذكر قول شيخه أصبغ بن الفَرَج (ت ٢٢٥) لتأويل كلام إبراهيم بأن معنى كونه في كل مكان: علمُه وإحاطتُه. والله أعلم.
247

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي